للعودة إلى الصفحة الرئيسية اضغط هنا

 

 

مناهج الاستشارة الطبية

 Consultation Models

 

ويمكن تقسيم مناهج الاستشارة الطبية حسب طريقة طرحها إلى قسمين :

الأول: مناهج في الاستشارة الطبية تركز على تحديد المهام وتوضح كيفية الوصول إليها . وأهم هذه المناهج ما يلي :

(1)    نهج (بايرن ولونج) (Byrne & Long 1976) .

(2)    نهج (ستوت وديفس) (Stott & Davis 1979) . 

(3)    نهج (بندلتون) (Pendleton 1984) .

(4)    نهج (نيبر) (Neighbour 1992) .

الثاني: مناهج في الاستشارة الطبية تركز على تحليل السلوكيات (Behaviour) وتعطي أفكاراً عامة للتعامل معها . وأهم هذه المناهج ما يلي :

(5)    نهج (بالينت) (Balint1957) .

(6)    نهج (بيرن) (Berne 1974) .

(7)    نهج (بيكر ومينان) (Becker & Mainan 1975) .

 

 

المقدمة :

نلاحظ أن الطريقة التقليدية للاستشارة الطبية المتعارف عليها تركز على أولويات الطبيب  (Doctor-Centred) في الوصول إلى التشخيص العضوي فقط ولا تشمل أولويات المريض وما يتبعها من بعد نفسي واجتماعي لمشكلته العضوية. كذلك لا تشمل التدريب على ممارسة تقديم الشرح وإسداء النصح والإرشاد للمريض ، وأيضاً لا تشمل التدريب على ممارسة طمأنة المريض ، والاكتفاء بالطمأنة فقط كعلاج مناسب لبعض المرضى. وهكذا فإن الاستشارة الطبية التقليدية لا تتناسب مع دور الطبيب الذي يريد أن يقدم رعاية شاملة لمريضه عضوية ونفسية واجتماعية، وكذلك الرعاية العلاجية والتطويرية والوقائية والتأهيلية.

        منذ منتصف القرن العشرين تزايد الاقتناع بضرورة إيجاد طريقة في الاستشارة الطبية تناسب الدور الجديد للطبيب حيث لم يعد دوره يقتصر على حلّ المشكلة الجسدية الحالية للمريض بل أصبح مطلوباً منه أن يمارس دوره كمثقف صحي يرفع ويطور الوعي الصحي للمرضى والمجتمع ، كذلك له دور وقائي لمنع الأمراض التي يمكن منعها إضافة إلى دور الراعي النفسي والراعي الاجتماعي يبحث عن مشكلات المريض النفسية والاجتماعية ويحاول مساعدته  للوصول إلى حلول لهذه المشكلات .

والتغير في الأدوار لم يقتصر على الطبيب فحسب ، بل أيضاً تغير دور المريض في النصف الثاني من القرن العشرين ، فلم يعد ينظر إلى الطبيب نظرة التعظيم المطلق (الطبيب يأمر والمريض ينفذ) . فكما زادت حرية الرأي فأصبح للأبناء رأيهم أمام والديهم ، وللطلاب رأيهم أمام   المعلمين ، وللمواطنين رأيهم أمام المسؤولين … كذلك أصبح للمرضى رأيهم أمام الأطباء ، وأصبح من سوء الحكمة تجاهل رأيهم والاستمرار في الطريقة التقليدية القديمة في الاستشارة الطبية ، ونجد أن نسبة كبيرة من المرضى قد أصبحوا أكثر جرأة في تعاملهم مع الأطباء وأكثر تحملاً لمسؤوليتهم عن صحتهم وأكثر قدرة على اختيار القرار الأفضل الذي يناسبهم في معالجة أمراضهم 

 كل هذه التغيرات في الأدوار أسفرت عن ظهور دراسات متتالية وعميقة ومكثفة وأدت إلى ظهور مناهج أو أساليب جديدة لإدارة الاستشارة الطبية بشكل يتلاءم أكثر مع الدور الجديد للطبيب والدور الجديد للمريض . وسأذكر هنا بعض أهم هذه المناهج أو النماذج (Models) للتعرف عليها بشكل مبسط ومختصر.

 

        نهج (بايرن ولونج) 

 

درس (بايرن ولونج) (Byren & Long 1976) أنماط الاستشارة الطبية لألفين من الاستشارات المسجلة صوتياً ، قام بها أكثر من مائة طبيب من أطباء الممارسة العامة ، ثم خرجا بوصف لنمط الاستشارة الطبية النموذجية - من وجهة نظرهما - ووصفاها بأنها تتكون من ست مراحل :

المرحلة الأولى   : في هذه المرحلة يقوم الطبيب ببناء علاقة جيدة مع المريض .

المرحلة الثانية   : يحاول الطبيب الوصول إلى معرفة المشكلة الحقيقية التي دعت المريض إلى استشارته .

المرحلة الثالثة   : يقوم الطبيب بإجراء الفحص الإكلينيكي أو الفحص الشفهي  أو كلا الفحصين معا للوصول إلى التشخيص الصحيح .

المرحلة الرابعة  : يقوم الطبيب في الغالب ، وأحياناً الطبيب والمريض معاً ، ونادراً المريض وحده بتحديد الحالة أو تحديد نوع التشخيص .

المرحلة الخامسة: يقوم الطبيب وأحياناً المريض بمناقشة تفاصيل العلاج أو الفحص الضروريين لمعالجة المشكلة .

المرحلة السادسة: يقوم الطبيب بإنهاء الاستشارة الطبية .

        ولم يكتفِ (بايرن ولونج) بوصف مراحل الاستشارة الطبية على هذا النحو، بل امتدت دراستهما لتشمل تحليل الاستشارات غير الموفقة والتي انتهت بعدم رضا المريض أو الطبيب وحاولا الوصول إلى أسباب فشل بعض الاستشارات الطبية . وقد لاحظا أن تعثر الطبيب في إنجاز المرحلة الثانية والرابعة من الاستشارة الطبية (معرفة المشكلة الحقيقية التي دعت المريض إلى استشارة الطبيب وتحديد نوع التشخيص) هما أكثر الأسباب التي تؤدي إلى فشل الاستشارة الطبية وتعثرها.

        وبعد تصنيف الاستشارة الطبية إلى ست مراحل قاما بتحليل إضافي لهذه الاستشارات المسجلة وعملا على تحليل السلوك الشفهي الذي انتهجه الأطباء خلال الاستشارات الطبية فوجدا أنه يتراوح بين سلوكيات شفهية يركز فيها الطبيب على أولوياته الخاصة محاولاً الوصول إلى التشخيص العضوي لمشكلة المريض ، وعلى الطرف النقيض ينتهج بعض الأطباء سلوكيات شفهية يركزون فيها على أولويات المريض من معاناة ومحتوى نفسي واجتماعي للمشكلة المرضية ( Patient centered & Doctor centered consultation) ، وبين هذين الطرفين المتناقضين يمارس الأطباء سلوكيات لفظية متنوعة بعضها يحقق أولويات الطبيب ، وبعضها يحقق أولويات المريض .

 

(1)   السلوكيات اللفظية التي تركز على أولويات المريض:

-        استخدام معلومات المريض وتجربته مع مرضه .

-        استخدام الصمت .

-        حسن الاستماع والإنصات .

-        استعمال الأسئلة غير المحددة .

-        استعمال الأسئلة غير المباشرة .

-        استخدام الأسئلة المرتدة .

-        توضيح وترجمة المؤشرات الصادرة من المريض .

 

(2)   السلوكيات اللفظية التي تركز على أولويات الطبيب:

-        استخدام مهارات الطبيب ومعلوماته في علم الأمراض .

-        استعمال أسلوب الأسئلة المحددة .

-        استعمال الأسئلة المباشرة .

-        استعمال الأسئلة الإيحائية للوصول إلى التشخيص .

      وقد لاحظ (بايرن ولونج) أن الأطباء ينتهجون نهجاً ثابتاً لا يتغير في معظم الاستشارات الطبية ، مهما كانت شكوى المريض عضويةً أم غير عضوية ومهما كانت شخصية المريض ، ومهما كانت حاجته للاستماع إلى الطبيب ، أو لأذن تسمعه من الطبيب ، وفي الغالب كانت معظم الاستشارات في هذه الدراسة تركز على أولويات الطبيب  .

 

 مزايا نهج (بايرن ولونج) :

        (1)    قدما رؤية وصفية واضحة ودقيقة لحقيقة الوضع والنمط المتبع بواسطة أطباء الممارسة العامة في إدارة الاستشارة الطبية ، فأوضحت دراستهما أسباب الفشل في الاستشارات الطبية .

        (2)    حددا السلوكيات اللفظية التي يتبعها الأطباء وعلاقتها بسير الاستشارة الطبية في اتجاه أولويات الطبيب أم أولويات المريض . وحيث أن الاهتمام بأولويات المريض هو الأهم لنجاح الاستشارة الطبية في الممارسة العامة فعلى الطبيب التركيز على تبني السلوكيات اللفظية التي تحقق ذلك والابتعاد عن السلوكيات اللفظية المعطلة .

       (3)    إن معرفة أسباب النجاح وأسباب الفشل هي أول خطوة على الطريق الصحيح ، وتصنيف الاستشارة الطبية إلى نوعين متناقضين (أولويات الطبيب أو أولويات المريض) فيه تبسيط وتوضيح يستطيع الطبيب استعماله كأداة يقيّم بها أسلوبه في الاستشارة الطبية ويحدد موقعه بالضبط .

(4)    تحديد السلوكيات اللفظية وتسميتها بأسمائها يساعد الطبيب على معرفة سلوكياته ومن ثم القدرة على السيطرة عليها وتطويرها .

 

نهج (ستوت وديفس) 

 

يرى (ستوت وديفس) (Stott & Davis 1979) أن الاستشارة الطبية فرصة جيدة يجب على الطبيب استثمارها وتوسعة الاستفادة منها  (The expanded Model of consultation) لرفع المستوى الصحي للمرضى ،  وهما يصنفان مهام أو أهداف الاستشارة الطبية إلى أربعة أهداف رئيسية هي كالتالي :

الهدف الأول : معالجة المشكلة الحالية التي تقدم بها المريض .

الهدف الثاني: معالجة المشكلات الصحية المستمرة التي يعاني منها .

الهدف الثالث : اغتنام الفرصة لتقديم الخدمات الصحية التطويرية (التوعية والتثقيف الصحي) .

الهدف الرابع : تعديل السلوك المتبع لطلب العون الطبي .

   وفيما يلي سأتناول كل هدف من هذه الأهداف بشيء من التوضيح :

 

(1)   معالجة المشكلة الحالية التي تقدم بها المريض

ويشمل ذلك القيام بخطوات الاستشارة الطبية كاملة من أخذ للتاريخ المرضي إلى الفحص السريري (الإكلينيكي) إلى التشخيص والعلاج للمشكلة الحالية التي تقدم بها المريض .

 

(2)   معالجة المشكلات الصحية المستمرة

ينظر (ستوت وديفس) للمريض على أنه وحدة متكاملة بمشكلاته الحالية ومشكلاته المستمرة ، بأمراضه الحادة وأمراضه المزمنة ، بأمراضه العضوية ومشكلاته النفسية والاجتماعية .. فعلى سبيل المثال لو أن مريضاً يراجع طبيبه بسبب جرح في قدمه ، ونفس المريض هذا مصاب بمرض السكري ،  فهل يكتفي الطبيب بمعالجة جرح المريض بشكل موضعي دون الأخذ في الاعتبار المضاعفات المحتملة لهذا الجرح بسبب مرض السكري ؟! مثال آخر : لو أن مريضاً آخر مصاب بداء السكري ولاحظ الطبيب أنه يعاني من اضطراب نفسي بسبب مرضه المزمن هذا أو لأي سبب آخر فهل يعالج مرض السكري  ويهمل حالة المريض النفسية ؟! مما لاشك فيه أن الرعاية الصحية الشاملة لابد من أن تأخذ بعين الاعتبار الحالة النفسية للمريض وتتطلب من الطبيب مفاتحة المريض عن شؤونه النفسية وظروفه الاجتماعية وتشخيص مدى شدة اضطرابه النفسي وتحديد المعالجة المناسبة لحالته النفسية وعدم تجاهلها ، فما جدوى أن يتمتع المريض بمعدل طبيعي لمستوى السكر في الدم ومعدل مرتفع لمستوى الاكتئاب والقلق في الأعصاب؟!   

                وهكذا يجب على الطبيب ملاحظة المشكلات الصحية المزمنة والمستمرة ووضعها في عين الاعتبار عند وضع خطته العلاجية وتناول هذه المشكلات بالرعاية الصحية المناسبة .

 

(3)   اغتنام الفرصة في تقديم الخدمات الصحية التطويرية

(التوعية والتثقيف الصحي)

 

                ويضيف (ستوت وديفس) استراتيجية جديدة في الاستشارة الطبية ألا وهي اغتنام الفرص لتطوير الحالة الصحية عن طريق الفحص الدوري المناسب والتوعية الصحية المناسبة .. فزيارة المريض للطبيب فرصة يجب استثمارها بشكل جيد لرفع المستوى الصحي للمريض وذلك بملاحظة عوامل الخطورة عند كل مريض والسؤال عن الأمراض المزمنة  والمشكلات الصحية الأخرى المتوقعة وبالتالي أخذ هذه المشكلات بعين الاعتبار عند وضع الخطة العلاجية.

 

(4)   تعديل السلوك المتبع لطلب العون الطبي

لاحظنا في الفصل الأول : (ما قبل استشارة الطبيب) الأساليب المختلفة التي يتعامل بها المرضى مع الخدمات الطبية ، فالبعض يبالغ في إهمال وتجاهل صحته وبعضهم على الطرف النقيض يبالغ في التمارض ويسيء استعمال الخدمات الطبية ، والبعض الآخر يستعمل طرق غامضة أو غير مباشرة للتعبير عن مرضه .. وقد ناقشنا في الفصل نفسه كيف يمكن للطبيب التعامل مع السلوكيات المختلفة التي ينتهجها المرضى .

 مزايا نهج (ستوت وديفيس):

(1)    الاستفادة القصوى من الاستشارة الطبية فهي ليست فقط لمعالجة مشكلة المريض الحالية بل تتعداها لتشمل المشكلات المستمرة .. ومؤشرات الخطورة أيضاً ويصبح تقديم التوعية والتثقيف الصحي أي تقديم الخدمات الوقائية والتطويرية جزءً أساسياً من أهداف الاستشارة الطبية يمارسه الطبيب في كل استشارة طبية .

(2)    هذا النهج هو أكثر المناهج التي ركزت على تعديل سلوك المرضى في أساليب استخدامهم للخدمات الطبية وجعلت تعديل السلوك هدفاً أساسياً من أهداف الاستشارة الطبية على الطبيب التنبه له عند كل مريض يلاحظ بأنه لم يستخدم الخدمات الطبية بشكل مناسب .

        (3)    إن وضع أربعة أهداف رئيسية لكل استشارة طبية ومحاولة الوصول إلى هذه الأهداف أساس جيد لتبني إستراتيجيات عامة عند البدء في التدريب على الاستشارة الطبية في الرعاية الصحية الأولية ، إلا أن التفاصيل التي تساعد على التطبيق تحتاج إلى دراسة المناهج الأخرى في الاستشارة .

 

       نهج (بندلتون) 

 

درس المعالج النفسي بندلتون (Pendleton 1984) بالتعاون مع ثلاثة من زملائه في الطب العام (Schofield ,Tate & Havelock) أنماط الاستشارة الطبية بشكل دقيق ، وتوصلوا إلى نهجهم الشهير في الاستشارة الطبية الذي عرف بنهج بندلتون (Pendleton Model ) أو (المهام السبعة في الاستشارة الطبية) . حيث ذكر في هذا النهج  سبع مهمات أو أهداف على الطبيب أن يحققها في الاستشارة الطبية وهي كالتالي :

(1)    معرفة الأسباب الحقيقية للمشكلة .
(2)    البحث عن المشكلات الصحية الأخرى .

(3)    مشاركة المريض في اختيار الخطة العلاجية المناسبة .

(4)    الوصول إلى فهم مشترك للمشكلة من جوانبها المختلفة .

(5)    التركيز على دور المريض في مساعدة نفسه وتنفيذه الخطة العلاجية.

(6)    استخدام الوقت والمصادر المتاحة الأخرى بشكل مناسب .
(7)    بناء علاقة جيدة مع المريض والمحافظة على استمرارها .

            وفيما يلي نناقش كل مهمة بشيء من التفصيل :

 

(1)   معرفة السبب الحقيقي للاستشارة الطبية

يحدد (بندلتون) المواضيع التي يجب على الطبيب تغطيتها للوصول إلى معرفة شاملة للسبب الحقيقي من الاستشارة الطبية ، نذكرها فيما يلي :

       q          معرفة طبيعة الشكوى المرضية والتاريخ المرضي .

       q          معرفة أسبابها من وجهة نظر المريض .

       q          معرفة تأثيرها على حياة المريض (اجتماعياً ونفسياً) .

       q          معرفة ما يجول بخاطر المريض من أفكار ومخاوف أو أي اعتبارات أخرى .

       q          معرفة توقعات المريض من الاستشارة الطبية .

        كما لاحظنا في نهج (بايرن ولونج 1979) أن من أهم أسباب فشل الاستشارة الطبية هو عدم الوصول إلى معرفة السبب الحقيقي لمعاناة المريض ، مما يؤدي إلى عدم رضا المريض عن أية خطة علاجية وبالتالي يؤدي ذلك إلى هدر للموارد من وصف أدوية أو طلب فحوص أو إحالة لم يقتنع المريض بها. والسبب في ذلك يعود إلى عدة عوامل قد سبق ذكرها في الفصل الأول ونلخصها هنا في النقاط التالية :

عوائق عدم معرفة السبب الحقيقي من وراء زيارة المريض :

       q          شخصية المريض .

       q          شخصية الطبيب .

       q          ظروف الاستشارة الطبية .

       q          طبيعة الشكوى المرضية .

        وفي مثل هذه الحالات - وهي كثيرة - نقول أن المريض لديه أمور غامضة (Hidden agenda) وتحتاج إلى الاستيضاح وبذل شيء من الجهد وممارسة بعض المهارات الضرورية لمعرفة هذه الأمور الغامضة التي تمثل السبب الحقيقي للاستشارة الطبية .

        وقد لاحظنا في الفصل الأول : (ما قبل استشارة الطبيب) أن المريض عندما تظهر عليه أعراض مرضية يبدأ يفكر في أسبابها ويفترض نظريات وتشخيص لمرضه .. يناقش الآخرين من أصدقاء أو أقارب من الذين  يعتقد أنهم ذوي خبرة في الأمراض يطلب نصحهم .. تنتابه مخاوف من احتمال أمراض خطيرة أو مضاعفات للمرض .. يبدأ بالخوف على أسرته ومن حوله من احتمال تأثير مرضه عليهم .. حتى يصل الألم النفسي والقلق والخوف مما يحمله المرض من معاني خطيرة أكثر من الألم الجسدي الذي يشكله المرض على المريض ، وعلى الطبيب أن يتذكر دائماً هذه الحقائق ، وهي أن المريض لم يأتِ إليه خاليّ الرأس من أية أفكار إلا وصف الأعراض ليطلب منه الطبيب وصفاً مجرداً خالياً من أية مشاعر .. بل عليه أن يتذكر أن المريض لديه (سيناريو) مفصل عن مرضه ، فلديه أفكاره الخاصة بما يتعلق بالأسباب والاحتمالات التشخيصية (Differential Diagnosis) واحتمالات العلاج ...

   وهكذا ينقلب مفهوم الاستشارة الطبية من عملية استجواب للمريض إلى عملية تبادل للرأي .. وللمعلومات  والخبرات .. بين المريض والطبيب (Tuckett 1984) وفي هذا السياق وصف  الطبيب (تكت) الاستشارة الطبية بأنها اجتماع بين الخبراء (Meeting between experts) فالمريض خبير بمرضه ومعاناته وله اعتقاداته الخاصة وتفسيراته للمرض ، والطبيب خبير بعلم الطب والقدرة على التشخيص العلمي السليم وتحديد الخطة العلاجية المناسبة .      

فإذا كانت الاستشارة الطبية تبادلاً لهذه المعلومات والخبرات لابد وأن تنتهي إلى فهم أعمق لأبعاد المشكلة المرضية مما يقوي العلاقة بين الطبيب والمريض ويجعل الخطة العلاجية أكثر واقعية وأكثر فعالية.

ولكن ما هي العوائق التي تمنع كثيراً من الأطباء من التعامل مع مرضاهم بهذا الأسلوب ؟ (أسلوب الحوار المتكافئ بدلاً عن أسلوب الاستجواب) . أحد هذه الأسباب أن معظم الأطباء قد فطروا على الذكاء والفطنة .. والربط بين المعطيات بشكل سريع وتكوين وجهة نظر واحتمالات لأسباب المرض واحتمالات التشخيص والعلاج    .. فبناءً على معرفة الطبيب السابقة عن عمر المريض وتاريخ أمراض الأسرة وبعض المعلومات من سجل المريض وكذلك شكله العام وشكل وجهه إذا كان في حالة ألم أو قلق أو إذا كان هادئاً مستقراً .. كل هذه المعلومات المبدئية عن المريض أضف عليها الشكوى الحالية حين يعرضها في جملتين أو ثلاث جمل تؤدي إلى أن يقوم الطبيب بجمع هذه الحقائق ويحللها في رأسه خلال ثلاثين ثانية تقريباً ويشكل وجهة نظر مبدئية شبه محددة عن احتمالات التشخيص (Elstein 1978) .  هذا الذكاء الفطري الذي يتمتع به كثير من الأطباء يجعل نشوة الوصول السريع إلى معرفة التشخيص غير قابلة للسيطرة من قبل الطبيب فتجده ينهال فوراً على المريض بأسئلة محددة لا تقبل الإجابة بأكثر من نعم أو لا..  ليتمكن الطبيب من تأكيد توقعاته بخصوص التشخيص وتكتمل نشوته بمتعة الاكتشاف السريع .

أما الطبيب الحاذق فإنه يستطيع ضبط نفسه والسيطرة على فرحة الاكتشاف التي تنتابه عند معرفة التشخيص ليعطي للمريض فرصة كافية ووقتاً مناسباً ليتحدث أكثر عن مرضه ووجهة نظره الشخصية عن الأسباب وعن كل ما يدور في رأسه من مخاوف وتوقعات .. هذه المخاوف التي قد تكون أكثر إيلاماً وقلقاً للمريض مقارنةً بالألم الجسدي الذي يحظى بجل اهتمام الطبيب . فالخوف من سرطان الرأس أكثر إيلاماً من الصداع .. والخوف على صحة الأبناء أكثر إيلاماً من الخوف على الذات . 

والطبيب المتعجل لا يهتم بأولويات المريض (مثل الطبيب الكمبيوتر في الفصل الثاني : الطبيب والمريض ومهارات الاتصال) ويكون همه الأول هو معرفة التشخيص والتشخيص العضوي فقط دون أن يعطي فرصة للمريض للتحدث عن وجهة نظره الخاصة ومخاوفه الشخصية .. ومثل هذه الاستشارة الطبية غالباً ما تنتهي بخيبة أمل المريض ، فالطبيب قد يرضي نفسه بأنه وصل إلى التشخيص السليم ووصف الدواء المناسب .. لكن المريض لن يكون راضياً أبداً عن طبيب لا يشعر به ولا يقدر إحساسه بالقلق والخوف ، وبالتالي لن يقتنع بتشخيصه ولا بعلاجه وقد يبحث عن طبيب آخر  .

 

(2) البحث عن المشكلات الصحية الأخرى

        وتشمل المشكلات الصحية الأخرى على ما يلي :

       q          الأمراض المزمنة أو أية أسباب أخرى تتطلب رعاية طبية مستمرة .

       q        عوامل الخطورة عند المريض .

                 في هذه المرحلة من الاستشارة الطبية نجد أن الطبيب يتعامل مع المريض كوحدة متكاملة بمشكلاته الحالية ومشكلاته المزمنة .. بعاداته الصحية وغير الصحية - بشكل شامل - مقارنةً مع الاستشارة الطبية التقليدية السريعة حيث يتعامل الطبيب مع مريضه كحالة مرض جسمي حالي ولا يتطرق للأبعاد الأخرى من مشكلات المريض ، وكأنها لا تخصه .. وفي هذا تجزئة غير واقعية لإنسانية المريض ، وقد تؤدي إلى فهم سطحي وعلاج جزئي للمشكلة ، وعلى سبيل المثال : لو أن مريضاً مصاباً بألم شديد في ظهره ، وشخصه الطبيب تشخيصاً صحيحاً ووصف له دواءً مناسباً ونصحه بالراحة التامة .. وكل هذه الإجراءات صحيحة ، إلا أنها غير كاملة إذا لم يصاحبها فهم أشمل لمشكلات المريض الأخرى  ، كي يتمكن الطبيب من تقديم نصائح أكثر شمولية .. حيث أن شخصاً كهذا المريض قد يكون مصاباً بالسمنة التي تعتبر عاملاً هاماً في الإصابة بآلام الظهر ، وقد يكون مصاباً بقرحة المعدة فلا يستطيع  تحمل استعمال الأدوية المسكنة القوية على المعدة .. ولكي تكون الخطة العلاجية شاملة كان لابد من الاستفسار عن مشكلات المريض المزمنة (قرحة المعدة) وملاحظة عوامل الخطورة (السمنة) وبالتالي وضع خطة علاجية تأخذ في الاعتبار تفادي الأدوية القوية على المعدة ومناقشة أساليب تخفيف الوزن كجزء أساسي من العلاج    .

 

(3)   مشاركة المريض في

اختيار الخطة العلاجية المناسبة لكل مشكلة

 

        في هذه المرحلة من الاستشارة الطبية وبعد أن حدد الطبيب مشكلات المريض بشكل شامل بأبعادها الجسمية والنفسية والاجتماعية .. وحدد أيضاً مشكلات المريض الحالية والمستمرة من أمراض مزمنة وعادات غير صحية  ومؤشرات خطورة أخرى ، عندها يتطلب من الطبيب وبمشاركة المريض البحث عن حل مناسب لكل مشكلة ، ومناقشة المريض للوصول إلى الاختيار الأنسب .

يبدو للوهلة الأولى أن هذا الأسلوب في التعامل بين الطبيب والمريض غريب بعض الشيء ، فالنظرة التقليدية تؤكد أن الطبيب والطبيب وحده هو الذي يعرف ما هي الإجراءات المناسبة والضرورية لمعالجة مشكلات المريض، فمما لاشك فيه أن الطبيب هو العارف بعلم الأمراض وعلم الأدوية… ولكن ما مدى علم الطبيب بشخصية مريضه .. ماذا يفضل وماذا يكره ؟ ماذا يستطيع عمله وما لا يقوى عليه ؟ ما الأمور التي تقلقه وكيف يفكر؟ .. كلها تفاصيل كل شخص أعلم بنفسه بها  ، فلماذا يدعي الطبيب العلم المطلق بكل شيء وينفرد باتخاذ القرار وحده .. أو بأي حق يتجاهل عقل المريض وقدرته على الاختيار السليم الذي يناسبه ؟!

أضف إلى ذلك أن الطبيب نادراً ما يكون متأكداً مائة بالمائة من صحة قراره ،  فلماذا ينفرد باتخاذ القرار وحده وعلى مسؤوليته ويفرضه على المريض دون مناقشة. وفي غالبية الأحيان فإن كل مداخلة طبية من إجراء فحوص أو وصف أدوية لها مزاياها وعيوبها .. لها فوائدها ومضارها .. وبالتالي تحتاج إلى موازنة دقيقة وأخذ عوامل عديدة بعين الاعتبار عند اتخاذ القرار . فلماذا لا يكون المريض شريكاً في هذه الموازنة والاختيار ويدلي بدلوه ؟!

ومن جهة أخرى لوحظ من الدراسات أن مشاركة المريض في اختيار الخطة العلاجية المناسبة تعطيه شعوراً بالسيطرة على مرضه مما يبعث الطمأنينة في نفسه ويقوي شعوره بالثقة والقوة أمام مرضه ، كذلك تعتبر مشاركة المريض في اختيار وتحديد الخطة العلاجية دليل على احترام المريض والتعامل معه معاملة بالغ لبالغ مسؤول عن صحته ، وبالتالي يكون قرار الخطة العلاجية نابع من ذات المريض مما يؤدي  إلى التزامه وانتظامه على العلاج ، فيصبح العلاج بذلك أكثر فعالية (Fink 1976) .

 

(4)   الوصول إلى فهم مشترك للمشكلة

يمكن أن نجزئ هذا الهدف إلى جزءين متكاملين :

أولاً : أن يفهم الطبيب المريض فهماً جيداً :

    بعد أن يستمع الطبيب جيداً لشكوى المريض ، عليه أن يتأكد أنه فهمها على حقيقتها فعلاً ، وأن يتأكد من تطابق اللغة الشفهية الصادرة من كلمات المريض مع اللغة غير الشفهية الصادرة من حركات جسم المريض وتعبيرات وجهه .

    ويتم ذلك بتلخيص القصة المرضية وإعادة ترتيبها بشكل منظم  ومتسلسل ، ومن ثم سؤال المريض إن كان فعلاً هذا ما قصده من حديثه عن مرضه ، كأن يقول الطبيب مثلاً : (حسب ما فهمته منك أنت تعاني من كذا…وكذا… وتعتقد أنه بسبب كذا… وكذا… وتريد مني عمل كذا… وكذا…هل تعتقد أني فهمت عليك جيداً ؟ هل تريد أن تضيف شيئاً آخر؟) وبهذا الملخص يحاول الطبيب ذكر العناوين الهامة في قصة المريض ، من أحداث ومشاعر مصاحبة للأعراض ، وهذه عملية ذهنية تحتاج إلى مهارة وقدرة على استنباط النقاط الهامة بشكل سريع وشامل وحساس ، ويستطيع  الطبيب تعلمها عن طريق الممارسة اليومية ، وبأسلوب المحاولة والخطأ (Trial & error) . وتلخيص مشكلة المريض وأخذ تغذية استرجاعية لها فوائد عديدة نذكرها فيما يلـي :

-         تشعر المريض بمدى اهتمام الطبيب وتقديره له وتشجعه على البوح .

-         تضع النقاط على الحروف في القصة المرضية وتمنع سوء الفهم .

-   تعطي فرصة للمريض للإضافة في وقت مبكر من الاستشارة الطبية ، بدلاً من تأجيل إضافاته الهامة إلى آخر وقت الاستشارة ، مما قد يكلف الطبيب مزيداً من الوقت غير المتوقع لمناقشة موضوع هام في الدقائق الأخيرة .

-   تمكن المريض من مشاركة الطبيب في تحديد الأولويات ، فعملية التلخيص هذه تساعد الطبيب على التفكير بصوت مرتفع ومسموع من قبل المريض الذي هو صاحب المشكلة ، وبالتالي يتم تحديد الأولويات  بشكل مشترك بدلاً عن التفكير الصامت المنفرد .

-   يستطيع الطبيب استعمال هذا الملخص لاستكمال بيانات السجل الطبي بشكل مختصر وواضح ومتفق عليه من قبل المريض ، خصوصاً في الحالات  المرضية التي يسرد فيها المريض قصة طويلة متشعبة ومتداخلة… حيث يتم - بهذه الطريقة - نوع من الاتفاق غير المعلن بين الطبيب والمريض على تحديد ما هو مهم للكتابة وما هو غير مهم ولا يحتاج إلى الكتابة .

 

ثانياً : أن يفهم المريض الطبيب فهماً جيداً :

    ويكون ذلك بالشرح الجيد للنقاط التالية :

-         طبيعة المشكلة أو المرض (إسمه ، أعراضه ، مضاعفاته ..) .

-         أساليب العلاج المختلفة وكيفية استعمالها أو ممارستها وكيفية فعاليتها .

-         أساليب الوقاية المختلفة لمنع تكرار المشكلة في المستقبل .

-   أساليب التعايش مع المشكلة (المرض) بشكل يحفظ السيطرة عليها ولا يؤثر سلباً على مسار حياة المريض التي يجب أن تسير بشكل طبيعي قدر الإمكان .

      ولكي تصل هذه الأفكار إلى المريض ويستوعبها ويتمكن من تنفيذها يجب أن نتبع الأسلوب المناسب ، ونلخصه في الخطوات التالية :

       q     تلخيص المشكلة كما فهمها الطبيب من وجهة نظر المريض وباستعمال كلمات المريض .

   q  تحويل شكوى المريض إلى مفهوم طبي علمي من خلال تقديم شرح مبسط  ومناسب وصحيح ويتناسب مع مستوى تفكير المريض وثقافته ، مثل قولك لمريض يشكو من ألم في حلقه : (إن ما تشعر به من ألم في الحلق ناتج عن التهاب بكتيري ويحتاج إلى مضاد حيوي لعلاجه) .

       q     التأكد من أن المريض قد فهم ما شرح له ووافق عليه .

      ويراعى عند الشرح للمريض استعمال الكلمات السهلة والجمل القصيرة وإعطاء معلومات محددة ، وإلحاقها بسؤال المريض عن مدى فهمه وتقبله لما شرح له وذلك ما يسمى بأخذ تغذية استرجاعية ، وقد بيّنت الدراسات أن نسبة (85) في المائة من المرضى لا يتفقون مع وجهة نظر أطبائهم بشأن التشخيص أو العلاج في البداية (Larsen 1997) ، مما يتطلب من الطبيب أن يكون مرناً وأن يجيد فن الحوار ليستطيع توصيل المفاهيم الصحيحة إلى المريض . كذلك يفضل مشاركة المريض في النقاش بدلاً من الاسترسال في الحديث ، فقبل إعطاء معلومات مفصلة يفضل أن يسبق ذلك سؤال المريض أن كان يعرف عن هذا الموضوع أي شيء ، وعندها قد يجيب المريض إجابة صحيحة شاملة تغني الطبيب عن الشرح والاسترسال .. وقد يجيب إجابة خاطئة .. وعندها يحاول الطبيب التركيز على هذه المفاهيم الخاطئة بالتحديد ، بدلاً من أن يشرح شرحاً مفصلاً لا جدوى منه بعيداً عن حاجة المريض .

 

(5)   التركيز على دور المريض في مساعدة نفسه

      مشاركة المريض في تنفيذ الخطة العلاجية مفهوم جديد في الطب إلى حد ما ، ففي الماضي كان مفهوم دور الطبيب أنه هو المسؤول الوحيد عن شفاء المريض (بعد الله سبحانه وتعالى) فما على المريض إلا أن يقدم شكواه للطبيب وعلى الطبيب استلام هذه الشكوى والنظر فيها وتقديم الحل الكامل للمريض .

      إلا أن هذا المفهوم الأسطوري لقدرات الطبيب على علاج مشكلات المريض بتحمل المسؤولية الكاملة عنه لم ينجح في حل معظم المشكلات الصحية .. فليس هناك حبة دواء سحري تعالج من كل داء .. ومعظم الأمراض تسببها تداخل عوامل جسمية مثل الاستعداد الوراثي  أو  البنية العامة للجسم .. وعوامل بيئية مثل سوء التهوية ودرجة رطوبة الجو ونوع  التغذية أو التعرض للجراثيم أو الفيروسات .. وعوامل نفسية مثل القلق والاكتئاب .. وعوامل اجتماعية مثل الفقر وطبيعة العمل أو طبيعة أسلوب الحياة... هذه العوامل مجتمعة تؤدي في النهاية إلى ظهور المرض وتحدد شدته وإمكانية الشفاء العاجل منه أو تحوله إلى مرض مزمن أو تسبب ظهور المضاعفات .. فأمراض القلب مثلاً يسببها الاستعداد الوراثي مضافاً إليه التغذية غير السليمة (الكلسترول) مضافاً إليه الضغوط النفسية وإرهاق العمل وأسلوب الحياة غير الصحي (عدم ممارسة الرياضة) كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تصلب الشرايين وأمراض القلب فهل يمكن علاجها بحبة دواء فحسب يصفها الطبيب ويتلقاها المريض وينتهي كل شيء..؟

الجواب بدون أدنى شك (لا)  فالمريض عليه أن يغير أسلوب غذائه .. ويخفف من وزنه .. ويمارس الرياضة .. ويتوقف عن التدخين .. وينظم حياته وعمله بشكل أفضل وأقل إرهاقاً .. إلى جانب تناول دوائه بانتظام والتزامه بمواعيد زيارة الطبيب ، وعليه القيام بكل هذه المسؤوليات ليتمكن الطبيب من علاجه بإذن الله. هذا المثال ينطبق على جميع الأمراض المزمنة والحادة الشديدة منها والبسيطة .. وحتى التهاب الحلق لا يشفى فقط بحبة دواء أو بالأحرى لا تفيد فيه حبة الدواء بقدر ما يفيد فيه مساعدة المريض لنفسه بالراحة وشرب السوائل . لذلك كان لابد في الاستشارة الطبية من التنويه بل التركيز على دور المريض في مساعدة نفسه بنفسه عن طريق اتباع النصائح الطبية التي اتفق مع الطبيب على ضرورتها ، وحين يقدم المريض مشكلته للطبيب قائلاً : (تفضل يا دكتور هذه مشكلتي حلها لي) يفضل عندها أن يجيب الطبيب : (حسناً خذ تفضل استرجع مشكلتك ودعنا نفكر معاً كيف يمكننا حلها سوياً ، دعنا نتعاون معاً على حل هذه المشكلة .. كيف تعتقد أنت أنه بإمكاننا أن نحلها ؟! ……..  أنا سأصف لك كذا وكذا.. وسأنصحك بعمل كذا وكذا.. وأنت ستساعد نفسك بعمل كذا وكذا.. ) (Berne 1964) .

 

(6)   استخدام الوقت والمصادر بشكل مناسب

            ركز (بندلتون) في المهام الخمس السابقة على المريض وتغطية مشكلته بشكل شامل من جميع جوانبها الجسمية والنفسية والاجتماعية .. الحالية والمستمرة والمزمنة ..

ولكي يكتمل المفهوم الشمولي للاستشارة الطبية الناجحة نركز في هذا الهدف السادس للاستشارة الطبية على مشكلة الطبيب الرئيسية ألا وهي مشكلة ضيق الوقت من جهة ، ومشكلة تمويل الخدمات الصحية ألا وهي مشكلة مصادر الخدمات الطبية من فحوصات وإحالة وأدوية .. من جهة أخرى .

 

q       استخدام الوقت : يبدو من مناقشة المهام الخمسة السابقة أن تحقيقها يحتاج لكثير من الوقت ، فالاستشارة الطبية الكاملة الناجحة قد تحتاج في بعض الأحيان إلى عشرين أو ثلاثين دقيقة لإنجازها ، ولكن في غالبية الأحيان وفي المتوسط يمكن تطبيق الاستشارة الطبية بشكل كامل وناجح في حوالي عشر دقائق ، ويتم ذلك باستخدام التقنيات الصحيحة في جمع المعلومات بأقل قدر من الأسئلة ، وفحص المريض الفحص المناسب للشكوى المرضية . وهذا لا ينفي أن بعض المرضى قد يعانون من عدة مشكلات في آن واحد ويحتاجون فعلاً إلى وقت طويل لمناقشة ومعالجة مشكلاتهم المتعددة ، فعلى الطبيب والمريض أن يتذكرا دائماً أن العلاقة بينهما مستمرة لا تنتهي بانتهاء الاستشارة الطبية الحالية ، وأنه بالإمكان الاتفاق على تجزئة المشكلات والبدء بالأولويات وتأجيل المشكلة التي تحتمل التأجيل إلى زيارات قادمة . 

أضف إلى ذلك أن الوصول إلى التشخيص الصحيح الشامل لمشكلة المريض وتقديم التوعية الصحية المناسبة وكذلك اغتنام الفرص و محاولة معالجة المشكلات المستمرة ومناقشة مؤشرات الخطورة .. وأيضاً الوصول إلى اتفاق مشترك عن أسلوب العلاج .. كل هذا من شأنه رفع المستوى الصحي للمريض وتحسين ثقافته الصحية وضمان رضائه عن العلاج وقناعته به وبالتالي ضمان تنفيذه وتمسكه الصحيح بالخطة العلاجية المتفق عليها . وعلى المدى الطويل سيؤدي هذا إلى استمرارية العلاقة بين المريض والطبيب فلا يتنقل المريض من طبيب إلى آخر يضيع وقت الجميع دون جدوى ، ومن جهة أخرى سيؤدي ذلك إلى علاج المرض بشكل فعّال يحد من المضاعفات وبالتالي يقلل من عدد الزيارات المستقبلية للطبيب ويقلل من استهلاك الخدمات الطبية ويوفر كثيراً من الوقت والجهد. 

 

q       استخدام المصادر : لكي يكتمل نجاح الاستشارة الطبية لابد من الموازنة بين مصلحة المريض وبين الاستهلاك المناسب للمصادر دون   تفريط ، فعندما يصف الطبيب دواءً يفضل أن يختار الدواء الأكثر فعالية والأقل كلفة.. وحين يطلب فحصاً مخبرياً أو شعاعياً عليه أن يختار الفحص المناسب الضروري للوصول إلى التشخيص أو لطمأنة المريض واختيار العلاج المناسب دون مبالغة .. وحين يحيل المريض إلى المستشفى يحيله لسبب منطقي ولحاجة ضرورية تستدعي الإحالة .. وهذا لا يعني التضييق على المريض وحرمانه من حقه في استخدام المصادر الطبية المتاحة ، بل يعني التعقل والمنطقية والبعد عن الإسراف والتفريط . والحقيقة أن الطبيب مسؤول عن تقديم الخدمات الطبية المناسبة للمريض بنفس قدر مسؤوليته أمام مموّل الخدمات الطبية (وزارة الصحة مثلاً) عن ترشيد استهلاك المصادر الطبية .

 

(7)   بناء علاقة جيدة مع المريض

 والمحافظة على استمرارها

 

أكد (بندلتون) على أن العلاقة الجيدة مع المريض هي الأساس في نجاح الاستشارة الطبية ، وكلما كان هناك ثقة من المريض ، واحترام وتفهم وتعاطف من الطبيب كلما سهلت عملية الاستشارة الطبية واتسمت بالصراحة والبوح بما يجول في خاطر المريض وانتهت بالرضا والقناعة بالعلاج الذي يتفق عليه الطبيب مع  مريضه . وقد سبق الحديث في الفصل الثاني : (الطبيب والمريض ومهارات الاتصال) عن طبيعة هذه العلاقة  ، ولماذا نحتاج إلى بناء علاقة جيدة مع المريض ، ومراحل بناء العلاقة بين طبيب الأسرة (الممارس العام) ومريضه ، وكذلك ناقشنا كيف يستطيع الطبيب  التواصل مع مريضه باستعمال اللغة الشفهية وغير الشفهية .

 

                    مزايا نهج (بندلتون) :

(1)    توسع نهج بندلتون في مهام الاستشارة الطبية وغطى نقاطاً هامة لم تتطرق لها المناهج الأخرى السابقة بشكل كاف .

(2)    ركز على معرفة السبب الحقيقي لمشكلة المريض وجزأه إلى خمسة عناوين فرعية وذلك لمساعدة الطبيب على التفكير بأفق واسع ، فقد يكون هناك سبب ظاهر ووحيد يعتقد الطبيب بأنه سبب الاستشارة الطبية ، ولكن بالتقصي والاستماع أكثر إلى المريض سيجد أن هناك كم كبير من الأسباب يأتي المريض من أجلها إلى الطبيب .

(3)    استفاد من نهج (ستوت وديفس) ووضع المهمة الثانية في الاستشارة الطبية : تقديم الخدمات التطويرية والوقائية كجزء أساسي في كل استشارة .

(4)    ركزت المهام الثالثة والرابعة والخامسة في نهج بندلتون على الدور الإيجابي الذي يجب أن يقوم به المريض للمشاركة في فهم مشكلته المرضية ووضع القرار بما يخص خيارات العلاج ثم المشاركة في تنفيذ الخطة  العلاجية ، فالمريض في نهج بندلتون طرف فعّال ومشارك للطبيب في كل خطوة من خطوت التشخيص والمعالجة .

(5)    أضاف بندلتون بعداً جديداً لمهمات الطبيب في الاستشارة الطبية والتي يجب عليه التنبه له وهو حسن استعمال الموارد وحسن استعمال  الوقت . ويعبر ذلك عن النظرة الموضوعية للاستشارة الطبية وسعة الأفق ، فالطبيب ليس ولاءه لمريض واحد فحسب إنما لباقي المرضى ولمموّل الخدمات الصحية أيضاً .

(6)    اعتبر نهج بندلتون أن العلاقة بين الطبيب والمريض هي أساس لنجاح الاستشارة الطبية وقد تعمد تصنيف هذا المهمة كمهمة أخيرة ضمن المهامات السبعة وذلك لتذكير الطبيب بأهمية استمرار العلاقة الجيدة بالمريض حتى آخر الاستشارة الطبية والمحافظة على استمرارها حتى بعد انتهاء الاستشارة .

(7)    يعتبر نهج بندلتون أساساً جيداً للتدريب على مهارات الاستشارة الطبية وخصوصاً المفاهيم الجديدة المتعلقة بدور المريض الإيجابي والوصول إلى (الأجندة الغامضة) التي غالباً ما تكون هي السبب الحقيقي لطلب استشارة الطبيب وليس السبب الظاهر الذي يبدو للوهلة الأولى .

 

          نهج (نيبر)  

 

قام (نيبر) (Neighbour 1992) بالاستفادة من أنماط الاستشارة الطبية التي سبقته وحاول تجميعها تحت خمسة عناوين رئيسية لتسهل عملية الممارسة والتطبيق وتمكن الأطباء من الاستفادة القصوى من جميع الأنماط الرئيسية التي ناقشت موضوع الاستشارة الطبية .

الخطوات الخمسة لنمط الاستشارة كما جاءت في نهج (نيبر) كما يلي :

الخطوة الأولى (Connecting) التواصل مع المريض :

-         بناء علاقة جيدة مع المريض والمحافظة على استمرارها .

-         معرفة معتقدات المريض المتعلقة بالصحة .

-         الإجابة على أسئلة المريض : (لم أنا ؟ ولم الآن بالذات ؟) .

الخطوة الثانية (Summarising) تلخيص مشكلة المريض :

-         الوصول إلى التشخيص العضوي النفسي الاجتماعي .

-         معرفة طبيعة الشكوى المرضية وتفاصيل الأعراض .

-         معرفة مدى تأثيرها على حياة المريض .

-         معرفة معتقدات المريض عن سبب مرضه وتوقعاته من الطبيب وأية اعتبارات أخرى تهمه .

الخطوة الثالثة (Handing-over) تسليم الحلول إلى المريض :

-         معالجة المشكلة الحالية للمريض .

-         تعديل سلوك طلب العون الخاطئ لدى المريض .

-   معرفة سبب المشكلة واختيار العلاج المناسب لها بعد الوصول إلى فهم مشترك بين الطبيب والمريض .

-         مناقشة المريض في مزايا وعيوب خيارات المعالجة المختلفة .

الخطوة الرابعة (Safety-netting) وضع شبكة أمان :

-         معالجة المشكلات الصحية المستمرة للمريض .

-         اغتنام الفرصة وتقديم الخدمات التطويرية والوقائية .

-         معالجة مؤشرات الخطورة لدى المريض .

-         الإجابة على سؤال :(ماذا يمكن أن يحدث ؟ وماذا على المريض أن يفعل؟) .

 

الخطوة الخامسة (House-keeping) تصفية مشاعر الطبيب :

-         التخلص من المشاعر السلبية التي تسببها بعض الاستشارات الطبية بشكل مستمر وفعّال .

-   تحويل مشاعر الطبيب السلبية باتجاه إيجابي يساعد على معرفة حقيقة مشكلة المريض ومعالجتها .

 

                 مزايا نهج (نيبر) :

(1)    استفاد (نيبر) من جميع مناهج الاستشارة الطبية التي سبقته ، ووضع نهجاً ذو مهام خمس وتعمد أن تكون على عدد أصابع اليد ليسهل تذكرها وحفظها وبالتالي يمكن تطبيقها .

(2)    " أنا أعرف ما المطلوب ولكني لا أطبقه " وهذه مشكلة معظم الأطباء حين يتعلمون مناهج الاستشارة الطبية ويحاولون تطبيقها ، ويعزي (نيبر) صعوبات التطبيق إلى الحوار الداخلي (The inner consultation) الذي يتم بين الطبيب ونفسه بشكل مشوش يعوق الاستشارة الطبية ، لذلك عمل على تحويل  المناهج الوصفية التي وردت في المناهج السابقة إلى خطوات عملية . كما ركز على صعوبات التطبيق ووضع استراتيجية قد يجدها بعض الأطباء مشوقة وممتعة عند ممارستها وتهدف هذه الاستراتيجية إلى الاستفادة من الحوار الداخلي وتحويله إلى حوار بناء بدلاً عن حوار مشوش ، وبذلك يستطيع الأطباء تطبيق ما يعرفون .

(3)    أضاف بعداً جديداً للاستشارة الطبية لم يذكر في المناهج السابقة واعتبره مهمة أساسية من مهام الاستشارة الطبية ، فالمهمة الخامسة في نهج نيبر تركز على تعامل الطبيب مع مشاعره الشخصية وكيفية التعايش مع مصاعب المهنة وضغوط العمل

 

نهج (بالينت)  

 

بما أن بالينت (Balint 1957) معالج نفسي فقد ركز نهجه على دراسة وتحليل الانفعالات النفسية للمريض والطبيب على حد سواء خلال الاستشارة الطبية . وتناول الأسباب التي تجعل الأطباء يمارسون الاستشارة الطبية بشكل خاطئ ، وتشمل هذه الممارسات الخاطئة : طريقة إسداء النصح وطمأنة المريض أو إجراء الفحص الإكلينيكي الدقيق أو الإحالة إلى الاختصاصيين .. وعمل على تغيير المفاهيم والقواعد الطبية التي تركز على أهمية التشخيص العضوي وتهمل تشخيص المشكلات النفسية ، ووضع بدلاً عنها قوانين أو قواعد طبية أكثر شمولية لتساعد الطبيب على التعامل مع المشكلات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها المرضى . وقد استعمل (بالينت) عدداً من الاستعارات اللغوية لطرح مفاهيمه الأساسية عن محاور الاستشارة الطبية وهي كما يلي :

(1)    (الشركة الاستثمارية بين الطبيب والمريض) (Mutual investment company) .

(2)    (الاستبعاد بعد إجراء الفحص الإكلينيكي) (Elimination by appropriate physical examination) .

        (3)    (التآمر غير المعلن) (Collusion of anonymity) .

(4)    العلاقة بين الطبيب والمريض (الطبيب الدواء) (The Doctor as the drug) .

(5)    (استعمال الطفل للتعبير عن المرض) (The child as the presenting complain) .

        (6)    اتضاح الرؤية أو (الضوء اللامع) (The flash) .

(7)    تدريب الأطباء على التعامل مع الحالات الصعبة باستحداث أسلوب جديد في التدريب سميّ بأسلوب (جماعة بالينت) (Balint Group) .

 

(1)   الشركة الاستثمارية بين الطبيب والمريض

ويقصد به تقبل مشكلة المريض والاستماع الجيد للتفاصيل وتفادي التعجل في تقديم النصح والطمأنة واستثمار كل استشارة طبية لتقوية العلاقة مع المريض بشكل مستمر .

ولتوضيح هذه المفاهيم شبه (بالينت) العلاقة بين الطبيب والمريض على أنها شركة استثمارية ، وكل مشكلة جديدة يتقدم بها المريض اعتبرها عَرْضاً إضافياً (عرض) (Offer) يضاف إلى رصيد هذه الشركة الاستثمارية، فإذا لم يتقبل الطبيب شكوى المريض (العرض) على أنها شكوى تستحق الاهتمام وطمأن المريض من الوهلة الأولى بأن الموضوع (بسيط) وقال له في النهاية (ليس هناك شيء) (You have nothing ) فإن تصرف الرفض هذا سيخسر (الشركة الاستثمارية فرصة الاستفادة من العرض) ولا يعطي فرصه للكشف عن (الأجندة الغامضة) . فالمعنى الأعمق لفهم هذه العبارة ( ليس هناك شيء) أي أن المريض واهم ، أو مبالغ ، وأن الطبيب لا رغبة له في إضاعة وقته الثمين في (لا شيء)  . ومثل هذا الأسلوب في الطمأنة لن يكون فعالاً على الإطلاق !

أما إذا تقبل الطبيب المشكلة الظاهرية بشكل جيد، ثم بدأ يسأل ويستمع ويعطي فرصة كافية للمريض ليكشف عما بداخله من قلق ومخاوف وشكاوى أخرى ، عندها فقط يستطيع أن يستوعب مشكلة المريض بشكل أعمق ويعرف حقيقة (الأجندة الغامضة) . فالمريض في معظم الأحيان يحاول تحديد وتحجيم الشكوى المرضية التي يقدمها  للطبيب ، وغالباً ما يختار الجزء العضوي من مشكلته ليحدث عنه طبيبه ، ويحتفظ بمخاوفه ومشكلاته الأخرى مثل الضغوط الاجتماعية أو المعاناة   النفسية ولا يذكرها إلا إذا سؤل عنها بالتحديد وأعطي فرصة كافية للبوح عما في نفسه ، وشعر أن الطبيب جاد في معرفة التفاصيل ويريد تقديم المساعدة .

 كذلك يرى (بالينت) أن أهم ما يحتاجه الطبيب ليكون معالجاً نفسياً ، هو القدرة على حسن الاستماع وتشجيع المريض على البوح .. لمساعدته على الكشف عن حقيقة مشكلته وإظهارها إلى دائرة الضوء ، فإذا عرفت المشكلة الحقيقية يستطيع المريض إيجاد حل لها بنفسه في غالب الأحيان .

 

(2)   الاستبعاد بعد إجراء الفحص الإكلينيكي

ويتعجب (بالينت) هنا من هذه القاعدة الطبية التي تعطي الأولوية والأهمية للأمراض العضوية وتجعل تشخيصها هو الأهم . أما تشخيص الأمراض النفسية فيأتي فقط بعد استبعاد كل التشخيصات العضوية الممكنة !  وفي هذا الشأن ينصح (بالينت) الممارس العام على أن يكون أكثر دقة وموضوعية وأكثر جرأة على تشخيص الاضطرابات النفسية ومعالجتها بشكل مباشر، مثال : إذا تقدم مريض يشكو من ألم في ظهره أو تعب عام وكانت لديه مشكلات اجتماعية صعبة وأعراض نفسية جلية مثل تغير في مزاجه العام وفي اهتماماته وقدراته على التفكير والتركيز والتعامل مع الحياة بشكل طبيعي… مع مثل هذا المريض لا يجد (بالينت) أن هناك حاجة لعمل الفحص الإكلينيكي الدقيق لاستثناء جميع الأمراض العضوية المحتملة قبل أن يشخص ألم الظهر على أنه بسبب الاضطراب النفسي طالما أن الطبيب متأكد من أنه بسبب نفسي وتوفرت علامات التشخيص الإيجابية التي تدل على التشخيص النفسي . فالقاعدة التي ينتهجها أطباء الممارسة العامة والتي تقضي : "بضرورة إجراء الفحص السريري لاستبعاد المرض العضوي" . ينصح بتبديلها بقاعدة طبية أخرى أكثر موضوعية وهي "إجراء الفحص السريري  لتشخيص المرض العضوي وإجراء الفحص النفسي لتشخيص المرض النفسي"

 (3)  التآمر غير المعلن

ويقصد (بالينت) بهذا التآمر الإحالة غير الضرورية إلى الاختصاصيين وعدم التصريح الواضح بتشخيص المرض العضوي أو نفيه ، وتهربهم من تشخيص المرض النفسي .. ويؤدي كل ذلك إلى ضياع مسؤولية معالجة المريض بين الممارس العام والاختصاصيين واستمرار معاناة المريض …

حيث أن أطباء الممارسة العامة لا يقومون فقط بإجراء الفحص الإكلينيكي لاستثناء المرض العضوي ، بل أحياناً يحيلون المريض إلى الاختصاصيين لمزيد من التأكد . ويفسر (بالينت) هذا التصرف على أنه نوع من التردد أو التخوف من التعامل مع مشكلة المريض النفسية ، ومحاولة للتخلص من مسؤولية تشخيص مشكلة المريض وعلاجها …فتجد الممارس العام يحيل المريض إلى أخصائيين مختلفين حسب الشكوى العضوية التي قدمها له ، فإذا اشتكى من مفاصله أحاله إلى طبيب المفاصل وإذا اشتكى من ظهره أحاله إلى طبيب العظام ، وإذا اشتكت السيدة من بطنها أحالها إلى الطبيب الجراح أو حتى طبيب النساء والتوليد… وإذا ذهب المريض إلى الاختصاصي وحاول الآخر البحث عن أي مرض عضوي ليعالجه ولم يفلح ، يعيده إلى الممارس العام بدون قرار محدد عن تشخيصه أو معالجته ، وقد يضطر الممارس العام إلى إحالته إلى اختصاصي ثاني وثالث ورابع… وكل هؤلاء الاختصاصيين والممارس العام يشكون بشكل أو بآخر بأن مشكلة المريض ليست عضوية ولكنهم لا يريدون أن يواجهوا المشكلة الحقيقية ألا وهي المشكلة النفسية … ويستمرون في هذا التآمر غير المعلن على المريض ويتكتمون على الحقيقة (تشخيص المشكلة النفسية) . ويقف الممارس العام أمام رأي الاختصاصي موقف التلميذ من أستاذه يعامله بكل الاحترام والتبجيل .. حيث يقف متفرجاً ويترك له مسؤولية اتخاذ القرار بما يخص تشخيص ومعالجة مريضه . وقد لا يعطي الأستاذ (الاختصاصي) جواباً واضحاً على سؤال التلميذ (الممارس العام) ويظل الآخر مكتوف اليدين لا يستطيع عمل شيء للمريض ، مما يجعل المريض يزداد قلقاً على صحته وتتضاعف مشكلته النفسية التي لم تناقش مع أي طبيب وقد تضاف إليها مشكلات عضوية يستحدثها له بعض الاختصاصيين .. وقد يستمر سنوات يتجول من طبيب إلى آخر ولا أحد يتحمل مسؤولية تشخيصه ومعالجته بالشكل الصحيح

 

(4)   الطبيب الدواء

اعتبر (بالينت) العلاقة بين الطبيب والمريض أنها مثل (الدواء) فلو كانت جيدة ستؤدي إلى معالجة المريض وشفائه مثلها كمثل الدواء . فالطبيب بسلطته المهنية وبرحمته الأبوية يعطي الطمأنينة للمريض ويخفف عنه قلقه ومخاوفه على صحته … وهو الناصح والمستشار الذي يقدم للمريض المعالجة النفسية عند اللزوم . إلا أن هذا الطبيب الدواء مثله ككل دواء يجب أن يوصف بالقدر المناسب ، فالزيادة منه تؤدي إلى مضاعفات جانبية ، ويقصد (بالينت) بالمضاعفات الجانبية أي اضطراب العلاقة بين الطبيب والمريض لأسباب عديدة ، وأهم هذه الأسباب ممارسة المعالجة النفسية للمريض بشكل خاطئ ، فلا يعرف الطبيب متى يبدأ العلاج وإلى متى يستمر ومتى يتوقف عن الاستماع إلى المريض ، فإذا طالت جلسة المعالجة النفسية دون تحديد أهداف واضحة أو الوصول إلى نتائج ملموسة فإن ذلك يؤدي إلى خيبة أمل المريض وسخطه على الطبيب الذي كشف أسرار حياته دون أية فائدة تذكر !

 (5)  استعمال الطفل للتعبير عن المرض

        ويعني ذلك التقدم إلى الطبيب بشكاوى تتعلق بالطفل ولكن الحقيقة أن الأم أو الأب هو صاحب المشكلة.

 (6)  اتضاح الرؤية

        شبه (بالينت) معرفة السبب الحقيقي وراء مشكلة المريض ومعاناته بالضوء اللامع (Flash) حيث يحدث خلال المعالجة النفسية أن يتحدث المريض عن معاناته ويتذكر الحوادث أو الأشخاص الذين سببوا له هذا الشعور المزعج وهذا الاضطراب النفسي ، وبشكل مفاجئ تتضح الرؤية  للمريض والطبيب مثل الضوء اللامع .

وعندما يتقدم المرضى المصابون باضطرابات نفسية إلى الطبيب بشكاوى عضوية متنوعة يصعب على الطبيب معالجتها ، فإنهم يحتاجون إلى نوع من المواجهة وإلى مناقشة حالتهم النفسية والاستماع إلى معاناتهم وتحليل ظروف حياتهم الصعبة . وهذا التحليل النفسي البسيط أو المعالجة النفسية قد يوضح الرؤية وفجاءة يتفق الطبيب والمريض على السبب الحقيقي للمعاناة الطويلة التي يشكو منها المريض ويكون لهذا الكشف أثر كبير على شفاء المريض وتخفيف معاناته .

ومن أهم أسباب الصعوبات التي تقف خلف عدم معرفة السبب الحقيقي وراء مشكلة المريض ومعاناته وصعوبات العلاقة بين الطبيب والمريض وعدم استجابة المريض للمعالجة هي الدفاعات النفسية التي يستخدمها المريض والطبيب وبالتحديد ظاهرة ما يسمى (بالنقلة والنقلة المقابلة) (Transference & counter-transference) .

ومثال ذلك أن الطبيب يشكل بالنسبة للمريض نموذجاً للسلطة . والمريض يتعامل مع الطبيب وفقاً للمشاعر والأساليب السلبية والإيجابية التي تعود عليها سابقاً واختزنها في داخله من خلال خبرات الطفولة والمراهقة مع نماذج السلطة كالوالدين مثلاً .. وهو بذلك (ينقل) إلى علاقته الحالية مع الطبيب ذكريات ومشاعر وأساليب قديمة ليست واقعية بمعنى أنها غير ناتجة عن تصرفات الطبيب الفعلية ..كأن نجد المريض متمرداً وغير متجاوب مع الطبيب ونصائحه ودوائه على الرغم من تصرفات الطبيب (الاعتيادية) .. ويكون السبب في ذلك ذكريات يحملها المريض عن أبيه القاسي أثناء الطفولة. وفي حالة النقلة المقابلة يتعامل الطبيب مع المريض بشكل غير واقعي أيضاً .. حيث يثير المريض بشخصيته وبعض تصرفاته ذكريات وخبرات وصراعات خاصة يحملها الطبيب في تاريخه الشخصي . كأن يبدو المريض للطبيب شخصية اعتمادية مدللة من خلال عدم معرفة المريض بأمر بسيط سأله عنه .. وأدى ذلك إلى انزعاج الطبيب وتصرفات سلبية غير مناسبة في تعامله مع المريض لأنه يحمل في داخله ذكريات مؤلمة ومتناقضة وبعض المشاعر السلبية كالغضب من أخيه الصغير المدلل الذي كان يحظى بكل رعاية الأسرة بينما كان يطلب منه شخصياً تحمل كثير من المسؤوليات المبكرة .

 

(7)   جماعة (بالينت)

        طرح (بالينت) أسلوباً جديداً لتدريب الأطباء للتعامل مع الاستشارات  الصعبة. حيث شكل مجموعة من أطباء الممارسة العامة يجتمعون بشكل دوž