للعودة إلى الصفحة الرئيسية اضغط هنا
للعودة إلى المراجع اضغط هنا (References)

الطبيب والمريض ومهارات الاتصال
Doctor-Patient Relationship & Communication Skills
أولاً: لماذا يحتاج الطبيب إلى بناء علاقة علاجية جيدة مع المريض؟
ثانياً: ما هي المراحل التي تمر بها هذه العلاقة؟
مهارات الاتصال : اللغة اللفظية
(1) الكلمات المستعملة عند طرح الأسئلة على المريض أو (صياغة السؤال).
(2) الكلمات المستعملة عند تقديم الشرح أو النصح للمريض (كلام الطبيب).
(3) الكلمات الصادرة من المريض عند التحدث عن شكواه المرضية (كلام المريض) .
مهارات الاتصال : اللغة غير اللفظية
(1) لغة الجسد وتعبير الوجه (Body language).
(2) المظهر العام للشخص (Appearance).
(4) ما حول الكلام أو خصائص الصوت (Paralanguage).
(5) المدى الشخصي أو فقاعة الهواء الشخصية (Body babble).
(6) البيئة (ترتيبات الجلوس وتصميم العيادة)(Environment).
مما لا شك فيه أن بناء علاقة علاجية جيدة بين الطبيب والمريض ضرورة لنجاح الاستشارة الطبية ولمزيد من التوضيح سنحاول الإجابة على سؤالين:
أولاً: لماذا يحتاج الطبيب إلى بناء علاقة علاجية جيدة مع المريض؟
هناك عدة أسباب جوهرية تجعل بناء علاقة جيدة بين الطبيب والمريض هدف يستحق بذل الجهد لتحقيقه، وتشمل هذه الأسباب ما يلي:
(1) مصلحة المريض من العلاقة الجيدة بينه وبين الطبيب:
q الوصول إلى التشخيص السليم: فالعلاقة الجيدة تسهل على الطبيب معرفة التفاصيل الحقيقية والشاملة لمشكلة المريض ، فثقة المريض في طبيبه تجعله يبوح عن مكنون نفسه .. عن مخاوفه ومعتقداته .. بصراحة وصدق ، ويتحدث عن مشكلاته النفسية أو الاجتماعية المصاحبة لمشكلته العضوية وبالتالي يسهل على الطبيب الوصول إلى التشخيص السليم والشامل للمشكلة.
q حماية المريض: لو لم يستطع الطبيب بناء علاقة جيدة بمريضه ، ولم يصل إلى التشخيص السليم ، لاشك بأنه سيتبع ذلك معالجة غير صحيحة ، مثل وصف أدوية قد تكون لها مضاعفات جانبية ضارة ، أو طلب فحص قد يكون مزعجاً أو حتى فيه درجة من الخطورة بسبب مضاعفاته الجانبية ، ويتعرض لها المريض دون مبرر ، أضف إلى ذلك الضرر الذي سيعاني منه المريض بسبب عدم وصول الطبيب إلى التشخيص السليم وبالتالي حرمان المريض من العلاج المناسب الضروري لحالته المرضية.
q ضمان فعالية المعالجة: المريض لا يطمئن إلا للطبيب الذي يثق به… ولا يلتزم إلا بعلاج الطبيب الذي يحترمه … فالمعالجة الفعالة تحتاج إلى علاقة جيدة بين الطبيب والمريض ، مفعمة بالمشاعر الإيجابية والثقة والاحترام ، وإذا فقدت هذه العلاقة فلن يحترم المريض نصائح الطبيب ولن يستعمل دواءه .
(2) مصلحة الطبيب من العلاقة الجيدة يبنه وبين المريض:
q جعل العمل أكثر إمتاعاً : يقضي الطبيب في المتوسط بين (6 إلى 8 ساعات) من يومه في مقابلة المرضى والتحدث إليهم ، فهو يلقاهم ويتحدث إليهم أكثر مما يلتقي ويتحدث إلى أفراد أسرته أو أصدقائه .. فالطبيب الذي لا يتقن غير العلاقة المهنية الجافة الخالية من المشاعر الإنسانية العميقة قد تتحول حياته العملية إلى جحيم من الروتين والملل والإزعاج والإرهاق النفسي… إذا لم يستطع أن يتفاعل بشكل إيجابي مع الذين يتعامل معهم معظم ساعات يومه ، ويصبغ علاقته مع مرضاه بالتعاطف والاهتمام وبشيء من الود .. بدل أن يكون جامداً كالآلة وبدون مشاعر . فالعلاقة العميقة المستمرة من أهم خصوصيات تخصص طب الأسرة - والطب عموماً - لذلك ينبغي للطبيب الحاذق أن يدرك ذلك ويضعه في الميزان حين يقارن بين مصاعب مهنته المرهقة ومزاياها الحسنة الممتعة.
q رفع معنويات الطبيب ودرجة رضاه عن نفسه : ينقسم الأطباء في طريقة تعاملهم مع المرضى إلى ثلاثة أقسام . القسم الأول من الأطباء شعارهم أو جلّ طموحهم (القيام بواجبهم فحسب) ، وهذا شعور قد يعطي الطبيب شيئاً من الإحساس بالتوازن ولكنه لا يؤدي إلى رفع معنويات الطبيب ودرجة رضاه عن نفسه . والقسم الثاني من الأطباء يستطيعون بناء علاقة جيدة مع مرضاهم وبالتالي تتطور نظرتهم إلى أنفسهم من مجرد (أنا أقوم بواجبي فحسب) إلى الشعور بالمحبة والاحترام والأهمية وهذا بالتالي يؤدي إلى مزيد من رفع المعنويات والرضا عن الذات . أما القسم الثالث من الأطباء تجدهم يفشلون في بناء علاقة جيدة مع مرضاهم ويصل بهم الأمر إلى مصادمات وخلافات قد تؤدي في النهاية إلى أن ينظر الطبيب إلى نفسه نظرة تعيسة ، يرى فيها نفسه كريهاً ممتهناً تافهاً بالنسبة لمرضاه الذين هم جلّ عمله
إلا أن هذه الأنواع الثلاثة من طريقة التعامل مع المرضى وما ينتج عنها من نظرة الطبيب إلى نفسه قد يعيشها الطبيب الواحد في اليوم الواحد عند تعامله مع شخصيات متنوعة من المرضى ، فبعض المرضى لا تشعر معهم إلا بالتوازن النفسي (أنا أقوم بواجبي) ويأتي مريض آخر ويشعرك بالسعادة والرضا عن الذات، ثم يأتي مريض ثالث ذو مشكلات متشعبة وصعبة لا تكون علاقة الطبيب به موفقة فيسبب للطبيب شعوراً سلبياً من الفشل وعدم الرضى عن الذات. والطبيب الحاذق يحاول دائماً بذل الجهد لبناء علاقة جيدة مع مرضاه ، مهما كانت شخصية المريض ومهما كان التعامل معه صعباً.
q اكتفاء شر المريض: هذا آخر سبب قد يفكر فيه الطبيب كدافع يجعله يسعى إلى بناء علاقة جيدة مع مرضاه ، إلا أنه سبب موضوعي ومنطقي... فبعض المرضى قد يسببون إزعاجاً شديداً للأطباء برفع الشكاوى الرسمية أو غير الرسمية على أطبائهم، أو بالتهجم المباشر بالقول أو بالفعل على الطبيب… إلا أن وجود علاقة جيدة بين الطبيب والمريض يشكل درعاً واقياً للطبيب يقيه شر هذه الأمور المزعجة ، فتجعل المريض يتريث كثيراً ويضبط نفسه.. ولا يقدم على إزعاج طبيبه.
(3) المصلحة العامة:
عدم قدرة الطبيب على معرفة حقيقة علة المريض وبالتالي عدم الوصول إلى التشخيص الصحيح ، غالبا ما يتبعه معالجة غير صحيحة، من وصف أدوية أو طلب فحص أو إحالة المريض إلى طبيب آخر .. وفي كل هذا هدر للموارد الطبية، زيادة على الضرر المباشر على المريض . وفي أحيان كثيرة حين لا يشعر المريض بالاطمئنان من معالجة طبيبه ، يضطر إلى البحث عن طمأنينته عند طبيب ثانٍ أو ثالث أو رابع .. حتى يجد ضالته ، وخلال هذا التنقل - أو التسوق بين الأطباء - يزداد المريض قلقاً على نفسه، وبالتالي تزداد طلباته للمداخلات الطبية غير الضرورية من فحص أو أدوية.. فبناء العلاقة الجيدة مع المريض، ليست فقط ضرورية لمصلحة المريض والطبيب على حد سواء، بل هي أيضا ضرورية لحماية الموارد الطبية وترشيد استهلاكها.
ثانياً: ما هي
المراحل التي تمر بها هذه العلاقة
الطبيب والمريض
؟
![]()
الطبيب في نظر المريض هو الإنسان الحاذق، المتفهم ، الحكيم الموثوق برجاحة عقله وحسن تصرفه، القوي المعطاء، يحتوي ضعف المريض وخوفه. يكشف له المريض عن خبايا نفسه وخبايا جسده ولا يبالي، يسلمه أمره ويطلب نصحه، يبحث عن الطمأنينة فيما يخص شكواه من نظرات عين طبيبه ومن نبرات صوته وفي حركاته وكلماته.. بهذه النظرة الإيجابية يأتي المريض لاستشارة الطبيب وبشيء من القلق ونفاذ للصبر يقدم شكواه. وهذه النظرة الإيجابية والاستعداد للتقبل عند المريض، تجعل مهمة الطبيب في بناء علاقة جيدة مع المريض أمراً سهلاً ولكنه ليس تلقائياً.
وهذه العلاقة لا تنشأ كاملة من زيارة واحدة بل هي كالبناء تتطور تدريجياً في تسلسل منطقي . ففي البدء يأتي المريض إلى طبيبه يتقدم بطلب المساعدة في حل مشكلته الصحية ، وتمشياً مع أخلاقيات المهنة لا يسع الطبيب إلا أن يهتم بأمر مريضه ويقدم له المساعدة ضمن العلاقة المهنية التي تفرض على الطبيب هذا الأسلوب من التعامل. وفي معظم الأحوال وبتسلسل منطقي للعلاقة بين الطبيب والمريض، يصبح المريض شاكراً وممتناً من مساعدة الطبيب ويكن له كثيراً من الاحترام. إلا أن العلاقة بين الممارس العام (طبيب الأسرة) ومريضه لا تتوقف عند زيارة واحدة ولا تنحصر في الاهتمام بالمشكلات العضوية للمريض ، فالزيارات تتكرر والعلاقة تتعمق، وفي كل زيارة يبوح المريض بمزيدٍ من مشكلاته ويكشف عن مزيدٍ من أسراره وخلجات نفسه أمام طبيبه فتزداد العلاقة عمقاً ووداً، خصوصاً حين يبدي الطبيب مزيداً من الاهتمام والتعاطف مع مريضه الذي هو بدوره يزداد إعجاباً ووداً لطبيبه… هذا التناغم في تبادل المشاعر الإيجابية بين الطبيب والمريض يؤدي إلى تطور العلاقة من مجرد علاقة مهنية قوامها الاحترام والاهتمام إلى علاقة شخصية حميمة قوامها الود والتعاطف
فالعلاقة بين طبيب الأسرة ومريضه مزيج من الود والتعاطف والعلاقة الرسمية.. في توازن وتناغم.
ولابد أن أوضح هنا نقطة هامة عن الصفة الرسمية للعلاقة بين الطبيب والمريض، فهي سلاح ذو حدين ، فرغم أن لها عيوبها إلا أن لها أيضا مميزاتها، فهي التي تحفظ للطبيب هيبته الطبية الضرورية لكسب ثقة المريض واحترامه.. كذلك تقلل شعور المريض بالحرج حين يبوح للطبيب بهمومه، فهو يعلم أن مهمة الطبيب مساعدته في التفكير والتحليل وإعطاء النصيحة فقط، ولكنه لن يثقل عليه بتحمل همومه وأحزانه بدلاً عنه!
وبعض المرضى يحتاج الطبيب لأن يتعامل معهم بشكل رسمي في بعض الأحيان. مثلاً: المريض الاعتمادي (Dependent) الذي يلقي بجميع مسؤولياته على الطبيب ولا يحاول هو عمل شيءٍ لمساعدة نفسه بنفسه، والمريض الثرثار الذي يتحدث في تفاصيل وأمور عديدة لا علاقة للطبيب بها، أو المريض الذكر مع الطبيبة الأنثى والعكس بالعكس، إذا ظهر في العلاقة شيء من المشاعر التي لا تتلاءم مع أخلاقيات المهنة، في مثل هذه الحالات يفضل للطبيب أن يتراجع بعلاقته مع المريض إلى المستوى الرسمي بدلاً من المستوى الشخصي والحميم.
مهارات الاتصال
بناء علاقة علاجية جيدة بين الطبيب والمريض تحتاج إلى قنوات، هذه القنوات تسمى وسائل الاتصال، فالتعبير عن المشاعر الإيجابية أو المشاعر السلبية يتم عبر وسائل الاتصال، وهي تحتاج إلى مهارات في التعامل، نسميها مهارات الاتصال.
وسوف أركز فيما يلي على المهارات التي يحتاجها الطبيب في الاستشارة الطبية بشكل خاص ، والتي تؤثر على قدرات الطبيب وفعاليته في ضبط الأمور وفهم الأحداث التي تدور حوله خلال الاستشارة الطبية، والتعامل معها بشكل مناسب، وبالتحديد فهم الكلمات والإيماءات الصادرة عن الطرف الآخر (المريض) ، وما يدور حولها من معانٍ وما يختبئ وراءها من أشياء غامضة، وأيضاً سأركز على المهارات التي تزيد من قدرة الطبيب على الاستفادة من الميزات والصلاحيات التي تمنحها له الاستشارة الطبية (The consultation power) لتوصيل المعلومات والنصائح الطبية للمريض الذي يحتاج إليها، ولتقديم الدعم النفسي وإظهار التعاطف مع المريض الذي يحتاج للدعم والتعاطف، ولاحتواء المريض الذي يحتاج للاحتواء والضبط ..
ونستطيع تقسيم مهارات الاتصال أو وسائل الاتصال إلى قسمين رئيسيين:
(أولاً) اللغة اللفظية أو الشفهية أو لغة الكلام (Verbal communication).
(ثانياً) اللغة غير اللفظية (Non-verbal communication).
مهارات الاتصال
: (أولاً) اللغة اللفظية
![]()
ونعني بها هنا بالتحديد الكلمات التي نستعملها للاتصال وكيفية اختيار اللفظ وتركيبة الجمل وطريقة صياغة الأسئلة .. وسنركز هنا على ثلاثة أمور هامة في الاستشارة الطبية ، وهي كالتالي :
(1) الكلمات المستعملة عند طرح الأسئلة على المريض أو (صياغة السؤال).
(2) الكلمات المستعملة عند تقديم الشرح أو النصح للمريض (كلام الطبيب).
(3) الكلمات الصادرة من المريض عند التحدث عن شكواه المرضية .
استعمال السؤال المباشر والمحدد
(Close ended question or direct question) :
مثل سؤال طبيبنا في قصة السيد (سليم) (منذ متى ؟ صداع فقط ؟ هل هو في كل الرأس أو نصفه ؟) هذه الأسئلة تبدو وكأنها تحقيق رسمي ، خالية من أية مشاعر إيجابية ، وهذا من أهم سلبياتها ، أضف إلى ذلك أنها لا تحتمل أكثر من كلمة واحدة للإجابة ، وبالتالي لا يستطيع الطبيب من خلال هذا النوع من الأسئلة تجميع معلومات كافية عن المريض فهو ليس لديه وقت يسمح بإلقاء عشرات الأسئلة المباشرة للحصول على المعلومات الكافية الصحيحة ، وهذه سلبية ثانية ، والسلبية الثالثة في هذا النوع من الأسئلة أن الطبيب قد لا يحصل على المعلومات الضرورية للتشخيص إذا كان اتجاه تفكيره مغايراً جداً عن اتجاه تفكير المريض، فكثير من المرضى قد يكون لديهم دوافع خاصة أو معتقدات غريبة أو توقعات غير عادية .. وهذا ما نسميه (الأجندة الغامضة) فلا يستطيع الطبيب أن يخمنها ويوجه سؤالاً محدداً مباشراً عنها وبالتالي قد تنتهي الاستشارة الطبية دون أن يعرف الطبيب ما هي (أجندة) المريض الغامضة .
استعمال السؤال غير المحدد
(Open ended question) :
أن استعمال السؤال غير المحدد بديلاً عن السؤال المباشر المحدد يعطي فرصة للمريض كي يفكر ويجيب ويعبر عن نفسه ومشاعره ووجهة نظره بحرية، حيث يوجه المريض المحادثة إلى النقاط الهامة بالنسبة له وما يقلقه ويشغل باله دون تقيد أو تحديد . وبالتالي يسهل على الطبيب معرفة النقاط الهامة من وجهة نظر المريض، ويؤدي إلى جمع معلومات كثيرة في وقت قصير، وهناك مقولة مفادها: (عندما تسأل سؤالاً محدداً لا تحصل إلا على إجابة محددة لكل سؤال وعندما تسأل سؤالاً غير محدد قد تحصل على كل القصة من سؤالٍ واحد) فإذا سأل الطبيب سؤالاً غير محدد وأعطى المريض فرصة للإجابة تتراوح بين دقيقتين إلى دقيقتين ونصف تقريباً (Larsen 1997) فإن المريض سيطرح شكواه بحريه وتلقائية.. ويذكر كل النقاط الهامة التي تساعد على التشخيص وسيكون الطبيب مندهشاً من كمية المعلومات التي يمكنه جمعها من سؤال واحد وقليل من الصمت دونما الحاجة إلى عدد كبير من الأسئلة المباشرة المحددة.
والسؤال غير المحدد هو الذي يحتوي على أقل قدر من الكلمات ، وتستعمل فيه أدوات الاستفهام مثل: (كيف وماذا) أو طلب المزيد من التوضيح ، مثل قول : (حدثني، أخبرني، أشرح، أوضح، صف ..)
أمثلة للأسئلة غير المحددة:
- كيف حالك اليوم ؟
- حدثني أكثر عن هذا الموضوع …؟
- ما هو سبب هذا الألم في اعتقادك؟
- كيف هو هذا الألم ؟ حدثني عنه أكثر ؟
- هل لديك أي تفسير لهذا الموضوع ؟ أخبرني ..
- تقول أن الألم ليس شديداً ولكنك تبدو خائفاً من شيء ما!؟
- تقول أنك لا تريد دواءً فأنت تريد شيئاً آخر !؟
- ماذا تعني ؟ ماذا أيضاً ؟
استعمال سؤال ( لماذا ):
لماذا فعلت كذا ؟ ولماذا لم تفعل كذا ؟
لاشك أن طرح سؤال كهذا مزعج ومهين ، يضع الشخص الذي يوجه إليه هذا السؤال في موقف دفاعي أمام السائل يحاول تبرير ما فعل أو ما لم يفعل ، وهذا الإزعاج والموقف الدفاعي يضعف العلاقة بين الطبيب ومريضه ويوترها توتراً شديداً ، فالأفضل تفادي مثل هذه الأسئلة .
استعمال السؤال الإيحائي
(Suggestive question) :
وذلك بأن توحي للمريض بالإجابة كأن تقول :
(قد يكون الصداع بسبب التعب في العمل . أليس كذلك ؟ )
( ألم البطن له علاقة بألم الظهر لأن الألم يتحرك من البطن إلى الظهر أليس كذلك ؟ )
مثل هذه الأسئلة لا تترك للمريض خياراً إلا أن يوافق ونادراً جداً ما يعارض . وبذلك تجعل الطبيب يعتمد في تشخيصه على معلومات قد لا تكون صحيحة في أحيان كثيرة . وفي نفس الوقت قد يشعر المريض بعدم الثقة في الطبيب لأنه أعتمد على معلومات ليست مؤكدة أو صحيحة مائة بالمائة فقد كان هناك شبة إجبار للمريض على الاعتراف بما أملاه عليه الطبيب من إيحاءات .
استعمال أسئلة لا تحتمل الإجابة إلا بنعم أو لا (هل) :
طرح أسئلة باستعمال أداة الاستفهام (هل) مثل قصة صداع السيد (سليم):(هل هو شديد؟…هل بدأ فجأة؟… هل هو في كل الرأس؟)، هذه الأسئلة مثلها مثل السؤال الإيحائي، تضع المريض في زاوية ضيقة ولا تترك له فرصة إلا أن يقول (نعم أو لا). وفي أحيان كثيرة، الموضوع ليس بهذه البساطة فهو نعم ولا في نفس الوقت، فقد تكون الإجابة على سؤال: (هل هو شديد؟) الجواب: (شديد أحياناً وأحياناً بسيط) وقد تكون الإجابة على سؤال: (هل بدأ فجأة؟) الجواب: (أحياناً يأتي تدريجياً وأحياناً يأتي فجاءة) وقد تكون الإجابة على سؤال: (هل هو في كل الرأس؟) الجواب: (أحياناً في كل الرأس وأحياناً في جزء منه) . لكن المريض حين يوجه إليه سؤال (هل) فإنه يشعر أن الطبيب يريد إجابة واحدة فقط ومحددة (نعم أو لا) فعليه أن يعصر تفكيره ويحدد موقفه بأي شكل، لكي لا يضيع وقت الطبيب ويساعده على التشخيص السليم.
وأحياناً بعض المرضى حين لا تكون الإجابة واضحة في أذهانهم يجيبون بشكل عشوائي: (نعم .. نعم .. نعم ..) أو (نعم .. لا ..) أو (لا .. نعم) مثل ما حدث مـع الـسـيد (سليم) حين سأله الطبيب : (هل يأتي مع التعب ؟) أجاب : ( نعم .. لا) وحين سأله : (هل عندك مشكلات في حياتك؟) أجاب : (مشكلات !؟ لا… لا) فكأنه أراد أن يتحدث عن مشكلات ولكن بما أن السؤال محدد والمطلوب الإجابة بنعم أو لا ، فربما يكون قد شعر بأن الطبيب ليس مهتماً بتفاصيل هذه المشكلات ، فقط يريد أن يعرف إن كانت هناك مشكلات أم لا، وبما أن - الشكوى لغير الله مذلة - قال المريض في نفسه : (لماذا أخبر الطبيب بتفاصيل مشكلاتي إذا لم يكن يهمه معرفة ذلك ، فالأفضل الإنكار وقول لا .. لا .. ). وبذلك تكون مثل هذه الأسئلة مضللة للطبيب وتجعله يبني استنتاجات على معلومات ليست صحيحة في أحيان كثيرة .
استعمال السؤال المركب:
وهو طرح عدة أسئلة في سؤال واحد، مثل سؤال طبيبنا في هذه القصة (هل هناك مشكلات في الأذن؟ أو التهاب في الجيوب الأنفية؟ أو ألم في الأسنان؟ أو ألم في الرقبة؟؟؟) مثل هذه الأسئلة تشعر المريض بعدم أهمية السؤال، وأن الطبيب يمارس استجوابه بشكل آلي دون أي اهتمام خاص أو تعاطف مع معاناة المريض، أو أن الطبيب مشغول جداً، فعلى المريض أن يختصر ويكف عن الثرثرة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى السؤال المركب تصعب الإجابة عليه، حيث لا يستطيع المريض تذكر فقراته، فغالباً يجيب على الجزء الأول أو الأخير من السؤال، وفي معظم الأحيان يكون جوابه بالنفي لاختصار المحادثة وعدم إزعاج الطبيب، كما فعل مريضنا في القصة المذكورة.
استعمال السؤال الاستنكاري:
كأن يستنكر الطبيب على المريض شكوى معينة أو تعليق معين فيقول له مثلاً:(كيف تقول أنك تشكو من الأرق وأنت تنام طوال الليل؟!) أو (كيف تقول بأنك لا تأكل ووزنك في ازدياد ؟!) مثل هذا الأسلوب في توجيه الأسئلة يضع المريض في زاوية ضيقة ويجبره على اتخاذ موقف دفاعي ضد الطبيب، مما يؤثر سلباً على العلاقة بينهما، فتتغير نظرة المريض إلى الطبيب، فبدل أن يكون الطبيب شخص ودود حميم ، يصبح في نظر المريض محقق جنائي أو ضابط مخابرات، يخشاه المريض ولا يرتاح للتحدث إليه.
لوحظ في الدراسات أن أكثر الأمور إهمالاً في الاستشارة الطبية هي تقديم الشرح للمريض (Byrne & Long 1976)، ففي كثير من الأحيان ينهي الطبيب الاستشارة الطبية بكتابة وصفة دوائية أو ورقة إحالة إلى طبيب آخر أو طلب فحوص مخبرية.. ويقدمها لمريضه دون أن يشرح له كيف ولماذا قرر ذلك؟! أو يذكر له اسم التشخيص دون أن يشرح له معناه.. أسبابه.. مضاعفاته أو علاجه.. وبعض الأطباء الأفضل حالاً قد يشرحون للمريض ولكن بأسلوب غير مناسب . وسنتحدث فيما يلي عن أهم الملاحظات والتوصيات بما يخص مهارات اللغة اللفظية التي يتوجب على الطبيب أن يتذكرها جيداً عند تقديم الشرح أو النصح للمريض:
استعمال المصطلحات الطبية:
بعض الأطباء يشرحون للمريض عن مرضه أو عن علاجه مستعملين مصطلحات طبية يصعب فهمها على الإنسان العادي، أو يسترسلون في الشرح والتفصيل لأمور دقيقة لا يفهمها إلا الأطباء أنفسهم، وغالبية المرضى يدّعون الفهم ولا يسألون أو يستوضحون معاني هذه المصطلحات ، إما كبرياءً أو خجلاً. إلا أن الطبيب الحاذق يدقق في اختيار ألفاظه التي يستعملها مع مرضاه، فيختار الألفاظ السهلة ويتفادى المصطلحات الطبية مهما كانت شائعة أو مفهومة في الوسط الطبي، لكنها غير مفهومة للإنسان العادي، وأيضاً يأخذ تغذية استرجاعية (Feedback) من المريض باستمرار للتأكد من أنه قد فهم ما شرح له.
استعمال أفعال الأمر وأسلوب التهديد:
بعض الأطباء تعودوا على أسلوب السيطرة في حديثهم ، فتجدهم يكثرون من استعمال أفعال الأمر مثل : ( يجب أن تفعل كذا وكذا) ، وأحياناً تكون كلماتهم مقرونة بإيماءات غير شفهية تعبر عن التهديد والوعيد، كاستعمال إيماءة الراحة المغلقة كقبضة والإصبع المشيرة ، مثل هذا الأسلوب المسيطر الآمر المهدد .. يولد شعوراً سلبياً لدى المريض ، وقد يجعله يتخذ موقفاً معانداً مناقضاً لما نصح به، كموقف الطفل العنيد المشاغب من أوامر والده الناقد المسيطر (Berne 1964) فتكون النصيحة بذلك قد أضرت بالمريض أكثر مما أفادته. إلا أن الطبيب الحاذق حين يقوم بالشرح أو تقديم النصح للمريض، يتخير الكلمات اللطيفة اللبقة، ويتجنب أفعال الأمر المنفرة قدر الإمكان، وبدلاً عنها يستعمل كلمات وجمل دبلوماسية ، مثل قولك: (أنا اعتقد أن هذا أفضل . ماذا تعتقد أنت ؟!) ولا بأس باستعمال الرجاء في بعض الأحيان مع بعض المرضى مثل قولك: (أرجو أن تلتزم بالحمية لأنها ضرورية).
الألفاظ الجارحة:
لهجة الطبيب:
أما بالنسبة للهجة الطبيب في المحادثة مع المريض فيفضل الأخذ بالاعتبار أن تكون مفهومة وتؤدي غرضها في توصيل المعلومة إلى المريض، وهذا لا يعني أن يغير الطبيب من لهجته حسب لهجة كل مريض، وإنما يحاول استعمال لهجة بسيطة واضحة.. كأن ينتهج لهجة وسطاً أقرب إلى اللغة الفصحى ويبتعد عن المصطلحات المحلية القديمة التي لا يفهمها إلا قليل من الناس. ويجدر الإشارة هنا إلى أن محاولة تقليد لهجة المريض والتحدث مثله قد يولد شعوراً سلبياً لدى المريض، فيظن بأن الطبيب يستصغر من شأنه أو يهزأ منه.
ونعني بها المؤشرات اللفظية الصادرة من المريض، وهي غالباً ما يفوت الطبيب المتعجل ملاحظتها، وبعض الأطباء قد يلاحظها ولكنهم يتجاهلونها خشية أن تفتح عليهم أبواباً يصعب إغلاقها، إلا أن هذه المؤشرات غالباً ما يكون لها دلالة عميقة تمثل حقيقة مشكلة المريض ومعاناته. ونذكر هنا بعض الملاحظات الهامة عن الكلمات الصادرة عن المريض:
زلات اللسان :
بعض المرضى يخبرك قصة قد تفهم منها شيئاً محدداً ، ثم يقع لسانه في زلات بدون قصد قد يفهم منها شيئاً مغايراً لما قاله صراحةً من قبل ، مثال : كأن تنكر المريضة أن عليها أي ضغوط اجتماعية أو نفسية ثم يأتي ذكر زوجها أو ابنها فيزل لسانها بقول (هداهم الله) أو (سامحهم الله) ، مثل زلات اللسان هذه تعني أن هناك مشكلة عميقة ومؤلمة تعاني منها هذه الأم ، بسبب زوجها أو ابنها . فالطبيب الحاذق لا يكتفي بظاهر القول ، ويبذل شيئاً من الجهد للوصول إلى الحقيقة ومساعدة مريضه للتعبير عن مشاعره.
ذكر كلمات غامضة:
مثل قول: (كما تعرف يا دكتور أنا شاب؟!)
أو قول: (كما تعرف يا دكتور أنا غريب؟!)
فماذا يعني المريض بكلمة (أنا شاب أو أنا غريب)؟!
قد يقصد المريض شيئاً ويفهم الطبيب شيئاً آخراً ويبني بالتالي استنتاجات خاطئة ، وبعض الأطباء قد يتجاهل تماماً مثل هذه الكلمات الغامضة تجاهلاً كاملاً ويتظاهر وكأنه لم يسمع شيئاً ، في حين تكون مثل هذه الكلمات الغامضة لها دلالاتها الهامة وغالباً ما يذكرها المريض مصحوبةً بلغة غير شفهية مفعمة بالانفعالات والمشاعر .. فقد تكون شبه (صرخة مختنقة) يصرخها المريض طالباً من طبيبه أن يفهمه ويتعاطف معه . فإن تجاهلها كان ذلك التجاهل صفعة مؤلمة وصداً وقلة حساسية من الطبيب ، لا تؤدي في النهاية إلا إلى ضعف العلاقة وشرخ الثقة بين المريض وطبيبه . فعلى الطبيب الحاذق أن يولي الكلمات الغامضة اهتماماً خاصاً ويحاول فهمها ويظهر تعاطفه واهتمامه بالمريض من خلال استيضاحه لهذه المؤشرات الغامضة .
تكرار بعض الكلمات بشكل ملفت:
كأن يردد المريض بين الوقت والآخر كلمات معينة، مثل:(الألم شديد) ثم يتحدث في موضوع آخر ويعود ويكرر القول ثانية: (الألم شديد). فمثل هذا التصرف يدل على أن المريض لم يشعر بأن الطبيب قد فهم عليه ، فاستمر في ترديد نفس الكلمات أملاًً منه أن يفهمه الطبيب ويتجاوب مع احتياجاته بشكل مناسب. أو أن يردد المريض بدون مناسبة (لا لهذا الدواء) (لا لن استعمل هذا الدواء) فيظن الطبيب أن المريض يريد أن يؤكد رفضه. وهذا احتمال، إلا أن الاحتمال الآخر أن المريض يريد توجيه نظر الطبيب لهذا الموضوع ويناقشه فيه ولكنه يخجل لسبب أو لآخر من أن يطلب مناقشة الموضوع بشكل مباشر، فكأن المريض يقول بينه وبين نفسه: (أرجوك تحدث معي أيها الطبيب في هذا الموضوع الذي يشغلني .. أقنعني أن هذا الدواء يمكنني أن استعمله وهو ليس خطيراً كما أعتقد…).
استعمال كلمات المبالغة والتهويل (Dramatic expression) :
مثل قول المريض : (أشكو من ألم فظيع… طوال الليل… وطوال النهار… في كل الجسم…ولم آكل شيئاً…ولم أغادر سريري منذ وقت طويل…) مثل هذه الكلمات قد تولد شعوراً سلبياً لدى الطبيب وتشعره بالحيرة فلا يستطيع أن يحدد مقدار شدة الأعراض بشكل صحيح لأن المريض غير موضوعي في وصفه ، فإما أن يأخذ الطبيب حذره أكثر من اللازم ويطلب فحوصاً أو يصف أدوية غير مناسبة ، أو يستهين استهانة كاملة بهذه الشكاوى ويفهم المريض على أنه متمارض ولا يعاني من مرض حقيقي يذكر . إلا أن الأفضل أن يبذل الطبيب شيئاً من الجهد لتقصي حقيقة الأمر بموضوعية وليس بمجرد الانطباعات العامة ، وأن يحاول أن يثقف المريض بالطريقة الأنسب للتعبير عن مرضه (Modification of help seeking behavior) .
مهارات الاتصال
: (ثانياً) اللغة غير اللفظية
![]()
وتشمل اللغة غير اللفظية أو غير الشفهية ما يلي :
(1) لغة الجسد وتعبير الوجه (Body language).
(2) المظهر العام للشخص (Appearance).
(3) الملامسة (Touch).
(4) ما حول الكلام أو خصائص الصوت (Paralanguage).
(5) المدى الشخصي أو فقاعة الهواء الشخصية (Body babble).
(6) البيئة (ترتيبات الجلوس وتصميم المكتب)(Environment).
ورغم أهمية اللغة غير اللفظية في التواصل إلا أنها لم تلقَ اهتماماً يذكر في التعليم الطبي، ولم تدرس في أي مرحلة من المراحل الدراسية الطبية، لذلك وجدت أن الإسهاب في بعض التفاصيل الهامة، وذكر أمثلة متعددة.. ضرورة أساسية في دراسة الاستشارة الطبية وكيفية التعامل مع المرضى. وأوجز هنا أهم التطبيقات العملية لدراسة اللغة غير الشفهية:
مساعدة الطبيب على فهم المريض بشكل أعمق :
لأن اللغة غير الشفهية أصدق وأبلغ تعبيراً من اللغة الشفهية، فالطبيب الحاذق إذا أحس من خلال قراءة لغة المريض غير الشفهية ، بأن المريض غير صريح ويتكتم على معلومات هامة، أو إذا لاحظ عدم توافق بين المعاني الصادرة من لغته الشفهية ولغته غير الشفهية ومن ثم حاول البحث والتقصي لمعرفة الحقيقة.. عندها فقط سينجح في الوصول إلى معرفة حقيقة مشكلة المريض بشكل أعمق وشامل. أما إذا لم يكن حساساً لهذه اللغة ، أو أحس بها ولكن تعمد تجاهلها.. فعندها سيكون تشخيصه لمشكلة المريض سطحياً وناقصاً.
مساعدة الطبيب على استعمال مهارات اللغة غير اللفظية في التعامل :
وذلك للتعبير عن المشاعر الإيجابية ، مثل الاهتمام والترحاب والتعاطف .. فكل هذه المشاعر تنقلها اللغة غير اللفظية بشكل أصدق وأعمق من اللغة اللفظية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يمكن للطبيب أيضاً استعمال بعض تقنيات اللغة غير اللفظية - التي سأتحدث عنها لاحقاً - مثل الملامسة والمقاربة والنسخ العاكس .. مع بعض المرضى الذين يحتاجون إلى درجة من الضبط والتوجيه خلال الاستشارة الطبية .
مساعدة الطبيب على فهم مشاعره الشخصية والتعامل معها بشكل مناسب: بعض المرضى يثيرون مشاعر سلبية لدى الطبيب، وظاهرياً لا تجد سبباً ملموساً لهذه المشاعر ، وغالباً ما يكون السبب كامناً في اللغة غير الشفهية التي يستعملها هؤلاء المرضى ، مثل إيماءات اليد أو تعبير الوجه أو وضعية الجلوس التي يتخذونها وطريقة الملبس ونبرة الصوت .. كل ذلك يرسل رسائل غامضة - دون قصد من المريض - تعبر عن التسلط وإعطاء الأوامر.. أو التكبر والعجرفة.. أو الإغراء والدلال.. أو حتى الضعف والمسكنة.. وهذه الرسائل قد تكون مرتبطة في ذاكرة الطبيب بشخصية يكره تصرفاتها ، وهو ما يسمى في علم النفس النقلة المقابلة السلبية (Negative counter-transference) مما يثير عند الطبيب شعوراً بالانزعاج أو القلق من هذا المريض ، فيتخذ تجاهه موقفاً سلبياً بشكل تلقائي ودون أن يناقش مع نفسه الأسباب ، بينما يكون المريض بريء مما يعتقده الطبيب ولا دخل له في ذكريات الطبيب الأليمة . لذلك فإن معرفة بعض أساسيات اللغة غير الشفهية تساعد الطبيب على فهم مشاعره الشخصية ومناقشتها بموضوعية ومن ثم التعامل مع المرضى بشكل أكثر منطقية.
نحن نتحدث إلى بعضنا ليس فقط بالكلمات بل إن لغة الجسد وتعبيرات الوجه قد تكون أكثر بلاغةً وأصدق تعبيراً من الكلام . وقد وجد الباحثون أن مجموع أثر الرسالة هو نحو (7) في المائة شفهياً (كلمات فقط) و (38) في المائة صوتياً (ما حول الكلام) و (55) في المائة غير شفهي (تعبيرات الجسد والوجه). وقام بعض الباحثون بدراسة كمية الاتصال الشفهي التي تحدث بين البشر فوجد أن العنصر الأساسي الشفهي في المحادثة التي تتم وجها لوجه هي أقل من (35) في المائة ، وأن أكثر من (65) في المائة من الاتصال يتم بكيفية غير شفهية (شيخاني 1997).
قال العرب: (ربّ حالٍ أفصح من لسان) وقالوا أيضاً: (ربّ طرفٍ أفصح من لسان) وقالوا أيضاً (إن اللبيب بالإشارة يفهم). وبدون شك لو أنك استقبلت ضيفك بقول : (أهلاً وسهلاً ) ووجه عبوس، سيفهم الضيف أنه غير مرغوب فيه وسيصدق تعبيرات وجهك ويكذب قولك (أهلاًً وسهلاًً).
إن معظم الباحثين يتفقون على أن القناة الشفهية تستخدم بصورة رئيسية لنقل المعلومات ، في حين تستخدم القناة غير الشفهية للتفاوض في المواقف ما بين الأشخاص وفي بعض الحالات كبديل للرسائل الشفهية(Rakel 1995). ومن الناحية العلمية عندما نصف شخصاً بأنه (ذو فراسة أو قوي الحدس أو لماح) فإننا نشير إلى قدرته على قراءة تلميحات الشخص الآخر غير الشفهية ومقارنة هذه التلميحات مع الإشارات الشفهية. ويبدو أن قوة الحدس مهارة يمكن تطويرها بالتدريب والممارسة ، فمن الملاحظ أن النساء عموماً يتمتعون بقوة الحدس أكثر من الرجال ، وهذه الحقيقة يُشار إليها عادة بأنها (حدس النساء)، فللنساء قدرة على التقاط الإشارات غير الشفهية وفك رموزها ، فضلاً عن تمتعهن بعين دقيقة تركز على التفاصيل الصغيرة ، وقد يرجع ذلك إلى أن المرأة كأم تعتمد على القناة غير الشفهية للاتصال بالطفل مما طور هذه القدرة لديها (شيخاني 1997).
بعض الأساسيات الهامة لفهم لغة الجسد:
(1) لغة الجسد موحدة عند مختلف الشعوب:
أثبتت الدراسات أن معظم الإيماءات (لغة الجسد) فطرية منقولة وراثياً لذلك فمعظم إيماءات الاتصال الأساسية متشابهة إلى حد كبير عند معظم الشعوب واللغات ، فهي لغة شبة موحدة عند سائر البشر في مختلف أنحاء المعمورة.
(2) اختلافات قليلة لمعاني بعض الإيماءات من شعب إلى شعب:
رغم أن معظم لغة الجسد موحدة عند مختلف الشعوب إلا أن للقاعدة استثناءها، فبعض الإيماءات مكتسبة وتختلف معانيها من ثقافة إلى أخرى مثلها كمثل اللغة الشفهية . لذلك علينا أن نأخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار حين نتعامل مع أشخاص من جنسيات أو ثقافات مختلفة عن ثقافتنا فنتريث قليلا ولا نفسر إيماءاتهم تفسيراً خاطئاً.
(3) مجموعة الإيماءات كجملة متكاملة:
يمكن فهم لغة الجسد كمجموعة إيماءات متكاملة وذلك مثل سائر اللغات حيث تتضمن لغة الجسد كلمات وجملاً ، وكل إيماءة مثل كلمة مفردة . وكما أن لكل كلمة معان متعددة ومختلفة ، وفقط عندما نضع الكلمة في جملة مع كلمات أخرى نستطيع أن نفهم معناها من خلال الجملة ، كذلك تترجم مجموعة الإيماءات كجملة واحدة متكاملة وليس كمفردات مستقلة عن بعضها البعض .
(4) الإيماءات في السياق:
إضافة إلى النظر إلى مجموعة الإيماءات كجملة متكاملة ، ينبغي أيضا أن تفسر الجملة في السياق الذي حدثت فيه ، فمثلاً إيماءة اليدين المتصالبتين (تكتيف اليدين) مع الرجلين المتصالبتين (وضع رجل فوق الرجل الأخرى أو أمام الرجل الأخرى) إذا صدرت من شخص في اجتماع فهي تعني موقفاً سلبياً دفاعياً أما إذا صدرت من شخص آخر وهو واقف في محطة الأتوبيس في فصل الشتاء، فهي تعني أن الشخص يشعر بالبرد.
(5) التفاعل بين لغة الجسد وطريقة التفكير:
حيث أن لغة الجسد تعبر عن طريقة التفكير فإن تغيير إيماءات لغة الجسد تؤدي إلى تغيير في طريقة التفكير، فهناك علاقة تبادلية بين الجسد والتفكير. وتطبيقاً لهذه الحقيقة، إذا استطاع الطبيب تغيير وضعية جسد المريض فهو بشكل غير مباشر يكون قد غير موقفه وطريقه تفكيره، فمثلاً لو كان المريض يجلس بطريقة تعبر عن العدوانية أو التعجرف.. واستطاع الطبيب تغيير هذه الوضعية في الجلوس إلى وضعية الاسترخاء والطاعة.. فهو بدون شك يكون قد غير أيضاً طريقة تفكيره المريض وموقفه إلى الاتجاه الأفضل وليس فقط طريقة جلوسه.
(6) النسخ العاكس (Mirroring):
ونقصد بها شخص يتبنى إيماءات وحركة جسد الشخص الآخر الذي يتحدث معه (يقلدها) . ويعتبر ذلك وسيلة يقول بموجبها الشخص للشخص الآخر أنه على اتفاق مع أفكاره ومواقفه ، فبشكل غير شفهي . كأنه يقول له : (كما ترى أنا أفكر مثلما تفكر لذا فأنا أنسخ وضعية جسدك وإيماءاتك) . وغالباً ما ينسخ الشخص الأدنى إيماءات وحركات جسد الشخص الأعلى منزلة. وفيما يلي بعض التطبيقات العملية لظاهرة النسخ العاكس:
q إظهار التعاطف مع المريض : يستطيع الطبيب نسخ إيماءات المريض بشكل إرادي وذلك لإظهار التعاطف مع المريض الذي يحتاج إلى درجة عالية من التعاطف، كأن يظهر الحزن على تعبير وجهه أو يجلس بنفس طريقة جلوس المريض الحزين. أو لإظهار الضبط والسيطرة للمريض الذي يحتاج إلى شيئ من الضبط. فنسخ إيماءات الشخص المسيطر تؤدي في النهاية إلى نزع السيطرة وإجبار الطرف الآخر على تغيير موقفه ، فإذا كان المريض مسيطراً في طريقة جلوسه وإيماءاته .. وكأنه يريد أن يقول بلغة جسده: (أنا عظيم)، فقد يرد الطبيب بنسخ (تقليد) نفس إيماءات جسد المريض، فكأنه يقول له: (إن كنت عظيماً فأنا أعظم منك).
q تعبير عن التفاعل الإيجابي: إذا لاحظ الطبيب أن المريض ينسخ إيماءاته فهذا دليل على القبول والموافقة على كلام الطبيب، فكأن الطبيب يقول بلغة جسده: (أنا أرى أن هذا هو الحل الأفضل)، فيرد عليه المريض بنفس اللغة، أي بنسخ إيماءات جسد الطبيب فكأنه يرد عليه قائلا بجسده: (أنا أيضاً أرى ما تراه أيها الطبيب).
q تعبير عن التفاعل السلبي: إذا كان المريض يجلس في تناغم مع لغة جسد الطبيب ، ثم فجاءةً غير طريقة جلوسه، فعلى الطبيب أن يستدرك الموقف الذي أخلّ بهذا التناغم الجسدي، لأن تغيير طريقة الجلوس تعني تغيير طريقة التفكير، فلابد من أن الطبيب قد صدر منه قول أو فعل غيّر مزاج المريض من حالة التوافق إلى حالة التنافر.
q تخمين الحالة المزاجية للمريض: كذلك تنعكس الحالة النفسية من الفرح أو الحزن أو القلق كأنها صورة في مرآة بين المتحدثين ، فالمريض الحزين أو القلق يجعل الطبيب يشعر مثله بالحزن أو القلق ، مثله في ذلك كمثل الشخص المتعب المتثائب يؤثر في جليسه ويجعله يتثاءب مثله. فإذا لاحظ الطبيب خلال الاستشارة الطبية أن المريض قد سبب له شعوراً بالحزن أو القلق، فقد يرجع السبب في ذلك إلى انعكاس الحالة النفسية بشكل لا شعوري من المريض إلى الطبيب. فعلى الطبيب أن يستفيد من هذه الظاهرة كأداة ترشده إلى التشخيص الصحيح، فعندما ينتابه مثل هذا الشعور عليه أن يستوقف المريض ويعيد تنظيم الاستشارة الطبيبة ويستوضح الأمر ، فقد تكون لدى المريض (أجندة غامضة) لم يفصح عنها ، وتحتاج إلى الإفصاح والمناقشة.
بعض الإيماءات الهامة للطبيب الحاذق
وبعد أن تحدثنا عن أساسيات لغة الجسد سأتناول فيما يلي أهم الإيماءات التي تهم الطبيب من ناحية وصفها وترجمة معانيها (شيخاني 1997) ومن ثم استنتاج تطبيقاتها العملية في الاستشارة الطبية :
تعبيرات الوجه:
نلاحظ في (الشكل رقم 6) تعبيرات الوجه الأساسية … من الخوف إلى الحزن إلى التعجب إلى الفرح إلى الانتقاد والازدراء. وهي تعبيرات صارخة في وضوحها يستطيع أي شخص معرفة معانيها بمجرد نظرة خاطفة سريعة، فمعظم إيماءات الوجه لغة فطرية عالمية.
والحقيقة أن بمجرد النظر إلى وجه المريض أثناء الاستشارة الطبية يمَكن الطبيب من معرفة الحالة المزاجية للمريض بشكل عام .
نظرة العينين:
q تمدد وتقلص بؤبؤ العينين: يتقلص بؤبؤ العين أو يتمدد تبعاً لتغير موقف الشخص أو مزاجه من إيجابي إلى سلبي ، والعكس بالعكس . فعندما يثار الشخص يتمدد بؤبؤ عينيه إلى أربعة أضعاف حجمه العادي ، وعندما يغضب الشخص ويكون مزاجه سلبياً يتقلص بؤبؤ عينيه . لذلك على الطبيب الحاذق النظر إلى عيني مريضه لمعرفة مزاج المريض والتفاعل معه بشكل مناسب .
q النظرة المحدقة أقل من ثلث وقت المحادثة : إذا كان المتحدث (المريض) يتكتم على معلومات أو غير صادق فيما يقول فستلاحظ أنه يتفادى التواصل بالنظر إلى محدثه أو تلتقي العينان أقل من ثلث وقت المحادثة . كذلك المريض المصاب ببعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب أو الذهان .. تجده لا يقوى على التواصل بنظرة العينين .
q النظرة المحدقة أكثر من ثلثي المحادثة: وفي المقابل إذا كان المريض يلتقي بنظره مع الطبيب أكثر من ثلثي وقت المحادثة فهذا يعني واحد من أمرين :
- أولهما: أن المريض يجد حديث طبيبه شيقاً ، وفي هذه الحالة تكون النظرة مقرونة بتمدد بؤبؤ العينين.
- ثانيهما: أن المريض يتخذ موقفاً عدائياً أو مخالفاً لما يحدثه به الطبيب، وفي هذه الحالة يكون بؤبؤ العينين متقلصاً.
النظرة الجانبية مع حاجبين متجهين إلى الأسفل: تستخدم كتعبير عن الارتياب والعداء والانتقاد .
النظرة الجانبية الخاطفة مع حاجبين متجهين إلى الأعلى أو ابتسامة : هذه النظرة فيها تعبير عن المغازلة والإغراء.
q تغميض العينين (إيماءة سد العينين): حيث يقفل الشخص جفنيه ويبقيان مقفلين لمدة ثانية أو أكثر، وفي هذا الإيماءة تعبير عن الاستياء والازدراء والضجر.
إيماءات راحة اليد:
q راحة اليد المفتوحة: راحة اليد المفتوحة المشيرة إلى أعلى تعبير غير شفهي عن الصراحة والصدق ، وأيضاً عن الترجي والطاعة ، ومثلاًً عندما يرغب شخص في أن يكون صريحاً أو صادقاً كلياً تراه يكشف راحة أو راحتي يديه للشخص الآخر وكأنه يردد عبارة : (دعني أكن صريحاً تماماً معك) وهذه الوضعية (اليد المفتوحة) يستعملها أيضاً المتسولون ففيها تعبير عن التوسل والرجاء .
q إيماءات راحة اليد المخبأة: وعندما يكذب طفل أو يخفي شيئاً ما، فإن راحتي يديه تكونان خلف ظهره، وعندما يخبئ الحقيقة الشخص البالغ فإنه يخفي راحتي يديه في جيبه أو في وضع تكتيف الذراعين ، ومثل هاتين الراحتين المخفيتين قد تعطي الشخص المتلقي تلميحاً بأن هذا الشخص يخفي الحقيقة.
q راحة اليد المشيرة إلى اسفل: هذا تعبير غير شفهي عن الأمر، وعندما يستخدم الطبيب مثل هذه الإيماءات وهو يقدم نصحه للمريض فإنه يبدو وكأنه يأمره ، مما قد يولد شعوراً بالانزعاج لدى المريض . كذلك عند تقديم اليد للمصافحة بمثل هذه الوضعية فهي تدل على أن الشخص يريد السيطرة على من يصافحه ، وإذا قبل الشخص الآخر هذه الوضعية في المصافحة وتقدم باسطاً يده فهو تعبير منه عن القبول بمنح السيطرة للطرف الآخر أنظر.
q الراحة المغلقة كقبضة والإصبع المشيرة: هذه الوضعية تجعل اليد كالمضرب الرمزي الذي يضرب به المتحدث، وهي وضعية عدائية تولد عند المتلقي شعوراً شديداً من الانزعاج والرفض
فعلى الطبيب الحاذق أن يراقب إيماءات راحة يديه وأن يحاول تعديلها، وذلك بتفادي وضعية اليد العدائية قدر الإمكان عند التحدث إلى مريضه (أو حتى عند التحدث في أي مناسبة اجتماعية) وعليه أن يحاول أن يتبنى وضعية اليد المفتوحة المعبرة عن الصدق والصراحة.
إيماءات يدٍ لوجه: (أنظر إلى الملحق رقم 2 صفحة 109 لمزيد من الإيضاح) .
q إيماءة حماية الفم: وهي عندما تغطي اليد الفم ويكون الإبهام ضاغطاً على الخد فكأنما يحاول الشخص تجميع الكلمات الخادعة التي يرددها في داخله ، وفي بعض الأحيان تكون هذه الإيماءة على شكل افتعال سعال زائف أو وضع يد مقفلة على الفم ، وكل ذلك يعبر عن ذات المعنى (الخداع وعدم الصراحة). وإذا استخدم الشخص المتلقي مثل هذه الإيماءات فقد يكون ذلك تعبيراً غير شفهي على أنه لا يصدق ما يسمع.
q إيماءة لمس الأنف: هذه إيماءة معقدة ومقنعة عن إيماءة حماية الفم ، وهي تعطي نفس المعنى(كبح الخداع أو الكلمات التي تردد) من جانب المتحدث . ومن جانب المستمع تعبيراً عن الارتياب من كلام المتحدث.
q إيماءة حك العين: تجنب النظر إلى وجه الشخص الذي تتردد الكذبة عليه. والرجال عادة يحكون عيونهم بقوة إذا كانت الكذبة كبيرة وغالباً ما ينظرون إلى ناحية أخرى أو إلى الأرضية لتحاشي نظرة المستمع. أما بالنسبة للنساء فقد يستخدمن حركة حك صغيرة ولطيفة تحت العين تماماً، إما لأنهن نشأن على تحاشي القيام بإيماءات قوية أو لتجنب إفساد التزين(الماكياج).
q إيماءة حك الأذن: وهي علامة على أن الشخص لا يريد أن يسمع أو أنه سمع ما يكفي أو أنه يريد أن يتكلم.
q إيماءة أصابع في الفم : عندما يكون الشخص تحت الضغط يلجأ إلى إدخال أصابعه في فمه أو حتى إدخال القلم أو السيجارة في فمه . وهذه إيماءة غير شفهية تدل على خوف الشخص وحاجته الشديدة إلى الطمأنة
q وضعية التقييم والانتقاد : في تظهر مجموعة إيماءات… وهي : اليد للوجه مع السبابة مشيرة إلى أعلى الخد بينما إصبع أخرى تغطي الفم والإبهام يسند الذقن والساقان متصالبتان بإحكام ، والذراع يقطع الجسد (دفاعية) بينما الرأس والذقن إلى أسفل (عداء) . هذه الجملة غير الشفهية من خلال مكوناتها تقول شيئاً كالتالي : (أنا لا أحب ما تقوله وأنا أنتقدك) .
إيماءات الرأس:
q وضعية الرأس المرفوع: وهي وضعية يتخذها شخص له موقف حيادي مما يسمع.
q وضعية الرأس المائل إلى جنب: وهذه وضعية يعبر فيها الشخص عن اهتمامه بما يسمع، فإذا استعملها الطبيب وهو يستمع إلى شكوى المريض مع انحناء قليل إلى الأمام، مثل هذه الوضعية تعطي انطباعاً جيداً لدى المريض بأن الطبيب مهتم به وبحديثه.
q وضعية الرأس المنخفض: الرأس المنخفض يشير إلى أن الموقف سلبي وهناك عدم موافقة .
حواجز الذراعين:
q إيماءة الذراعين المتصالبتين النموذجية: وفيها تكون الذراعان مطويتين عبر الصدر كمحاولة (للاختباء) من موقف غير مريح. وهذه إيماءة عالمية تعني الموقف الدفاعي أو السلبي . فعندما ترى إيماءة الذراعين المتصالبتين تحدث خلال محادثة المريض، فمن المعقول أن تفترض أنك ربما تكون قد قلت شيئاً لا يوافق عليه المريض، لذلك فقد لا تجدي مواصلة حديثك حتى لو كان المريض موافقاً لك شفهياً . ذلك لأن اللغة غير الشفهية لا تكذب، فعندها عليك محاولة اكتشاف السبب في ظهور إيماءة الذراعين المتصالبتين ونقل المريض إلى وضعية أكثر تلقياً، وإذا بقيت إيماءة الذراعين المتصالبتين سيبقى الموقف السلبي. والحقيقة أن الموقف هو الذي يجعل الإيماءات تحدث.. واستمرار الإيماءات يجبر الموقف على أن يظل كما هو.
وهناك طريقة بسيطة وفعالة لتحطيم وضعية الذراعين المتصالبتين، وهي أن تقدم للمريض شيئاً يجبره على فك ذراعيه إحداهما عن الأخرى ليتقدم إلى الأمام ، وبذلك تنقله إلى وضعية مفتوحة وموقف منفتح . كذلك يمكن أن تطلب من المريض أن ينحني إلى الأمام لينظر إلى عرض بصري يمكنك أن يكون أيضاً وسيلة فعالة لفتح وضعية الذراعين المطويتين. وثمة طريقة أخرى مفيدة هي أن تنحني إلى الأمام وراحتا يديك موجهتان إلى أعلى وتقول: (أرى أن لديك سؤالاً ! ماذا تودّ أن تعرف؟) أو (ما رأيك؟) ثم تجلس باستواء لتدلل على أن على المريض أن يتكلم ، وبترك راحتيك مرئيتين، فأنت تقول بلغة غير شفهية للشخص الآخر أنك تريد منه جواباً صريحاً صادقاً.
q إيماءة الذراعين المتصالبتين المعززتين (موقف عدائي ودفاعي): إذا كان الشخص الذي يستخدم الذراعين المتصالبتين تماماً ، يبدي قبضتين مطبقتين ، فإن ذلك يشير إلى موقف عدائي ودفاعي . وهذه المجموعة من الإيماءات غالباً ما تقرن بإطباق الأسنان والوجه المحمر، وفي هذه الحالة عليك أن تتوقع هجوم شفهي أو جسدي محتوم .
q إيماءة الذراعين المطويان مع تأشير الإبهامين عمودياً إلى أعلى (موقف متعالٍ) : هذه الإيماءة هي النسخة الدفاعية للذراعين الاثنتين المتروكتين أفقياً أمام الجسد مع الإبهامين الاثنين إلى أعلى لإبراز الهدوء ورباطة الجأش ، إن إيماءة الإبهامين إلى أعلى هي وسيلة لإظهار موقف الثقة بالنفس ، وتقدم الذراعين المطويتان تعبر عن الشعور بالحماية
حواجز الرجلين:
q وضعية تصالب الرجلين النموذجية (دفاعي متحفظ) : وهي تعبر عن موقف دفاعي متحفظ . ولكن لا ينبغي أن تترجم بمعزل عن السياق ، فغالباً ما يجلس الناس هكذا في المحاضرات، أو إذا كان الشخص يجلس لمدة طويلة بحالة راحة (خضور 1990) .
q تصالب الرجلين والذراعين: هذه الجملة من الإيماءات الجسدية تعبر عن إبداء الاستياء والمعارضة.
q وضعية قفل الرجل الأمريكية بشكل زاوية قائمة تشبه رقم (4 باللغة الانجليزية) (الوضعية الدفاعية) : وهي تدل على وجود موقف جدلي مخالف (أنظر شكل رقم 9) أو تنافس ، فإذا صدرت مثل هذه الإيماءة من المريض يجدر بالطبيب أن يحاول تغير لغة جسد المريض ، وذلك بإطرائه مثلاً .. أو تعظيم شأنه في أي أمر كان .. أو سماع رأيه ومناقشته .
q تصالب الرجلين على شكل زاوية قائمة تشبه رقم (4)والذراع تقفل الرجل في مكانها : وهي تعبر عن درجة أشد من المجادلة والمخالفة والتفكير العنيد، وقد يحتاج الموقف إلى استعمال تقنية المقاربة لتحطيم المقاومة .
إن ما يقال عنه الانطباع الأول (First impression) الذي يكونه الناس من بعضهم البعض يتأثر تأثراً رئيسياً بالمظهر العام، فتعبير وجه الشخص وطريقة لبسه تعطي الآخرين فكرة عن شخصيته ودرجة ونوع ثقافته ومزاجه العام وهل هو مريح في التعامل أو صعب ومزعج ؟… وهذا الانطباع الأول غالباً ما يؤثر سلباً أو إيجاباً على مجرى العلاقة التي يكونها الآخرون مع هذا الشخص ، فإن كان الانطباع الأول جيداً فهو يسهل عملية التواصل وتقبل الآخرين، أما إن كان سيئاً ، فقد يشكل حاجزاً نفسياً يعوق التواصل، وعندها يحتاج الشخص لبذل كثير من الجهد لتغيير الانطباع السيئ الذي أخذه الآخرون عنه بسبب مظهره العام. وعلى الطبيب الحاذق إعطاء انطباع مبدئي حسن عن نفسه، يظهر فيه حذقه ، ويدل على أنه موثوق برأيه وبعلمه وبحكمته… وذلك بالاهتمام بمظهره العام. وفيما يلي بعض الملاحظات عن مظهر الطبيب ومظهر المريض:
مظهر الطبيب:
ونتحدث هنا عمّا يرتديه الطبيب من ملابس وأدوات للزينة .. وهذه المظاهر لها تأثيرها على تقويم الطبيب في عيون المرضى . حيث وجد بالبحث العلمي (Rakel 1995) أن المرضى يفضلون التعامل مع الطبيب ذي اللباس المهني الرسمي (الزي الطبي الأبيض) أو اللباس المحافظ الأنيق البسيط . أما الطبيب المستهتر المبالغ في البساطة في طريقة لبسه فإنه يفقد بذلك كثيراً من الاحترام والتأثير الإيجابي على مرضاه . وعلى الطرف الآخر نجد أن الأطباء أو الطبيبات الذين يبالغون في التأنق ولبس الأشياء الملفتة للنظر ، مثل الأقراط الكبيرة المتدلية أو الملابس ذات الألوان الصارخة ..أو الأظافر الطويلة .. كل هذه المظاهر لها نفس تأثير اللباس البسيط المستهتر . وأيضاً فإن المبالغة في التعاظم في المظهر كلبس المجوهرات أو الأطقم الثمينة .. تشكل حاجزا يعوق التواصل بين الطبيب (الأرستقراطي المظهر) والمريض البسيط غير المتكلف في مظهره.
مظهر المريض:
يستطيع الطبيب تكوين فكرة مبدئية ع